اقتصاد

إيطاليا تتنفس الصعداء: موديز ترفع تصنيفها الائتماني لأول مرة منذ 23 عامًا

شهادة ثقة دولية.. كيف نجحت إيطاليا في الخروج من عنق الزجاجة؟

مشهد لم يتكرر منذ أكثر من عقدين، جاء ليمنح حكومة جورجا ميلوني دفعة قوية وثقة دولية كانت في أمس الحاجة إليها. ففي خطوة لافتة، حصلت إيطاليا على أول ترقية لتصنيفها الائتماني من وكالة “موديز” منذ عام 2001، لتخرج روما أخيرًا من دائرة الخطر التي كانت تهددها بالهبوط إلى مستوى التصنيف عالي المخاطرة (Junk).

شهادة ثقة

أعلنت “موديز” في بيانها يوم الجمعة، رفع تصنيف ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو درجة واحدة إلى (Baa2)، مع نظرة مستقبلية مستقرة. الترقية، بحسب الوكالة، لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج مباشر لسجل متواصل من الاستقرار السياسي والسياسات الثابتة، وهو ما عزز بدوره فاعلية الإصلاحات الاقتصادية والمالية ضمن الخطة الوطنية للتعافي. ببساطة، يبدو أن السفينة الإيطالية وجدت قبطانًا يقودها بهدوء نسبي.

مسار معكوس

كانت “موديز” تحديدًا آخر الوكالات الكبرى التي تمسكت بموقفها الحذر تجاه إيطاليا. ففي أواخر 2018، خفضت الوكالة التصنيف إلى (Baa3)، وهو آخر مستوى قبل الدرجة الخطرة. بل إنها في أغسطس 2022، قبيل وصول ميلوني للحكم، حولت نظرتها المستقبلية إلى سلبية، ما جعل شبح الخفض الائتماني يخيم على عامها الأول في المنصب. لكن الحكومة نجحت في عكس المسار، وهو ما اعترفت به الوكالة أخيرًا.

انضباط مالي

يُرجّح مراقبون أن التقدم الذي أحرزته حكومة ميلوني في السيطرة على ثاني أكبر دين عام في المنطقة، والعمل بجدية لخفض عجز الموازنة إلى سقف 3% الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي، كان له الأثر الأكبر. هذا الانضباط المالي، إن استمر، سيسمح لإيطاليا بالخروج من آلية الرقابة الأوروبية المشددة، وهو ما تعتبره روما استعادة لسيادتها الاقتصادية. وتتوقع “موديز” أن يبدأ عبء الدين المرتفع في الانخفاض تدريجيًا بدءًا من عام 2027.

ثقة الأسواق

لم تكن “موديز” وحدها؛ فقد سبقتها وكالات أخرى مثل “إس آند بي” و”فيتش” في رفع التصنيف هذا العام. هذه الموجة من الثقة انعكست مباشرة على الأسواق. وزير المالية جيانكارلو جيورجيتي اعتبر الخطوة “تأكيدًا إضافيًا على الثقة المتجددة بهذه الحكومة، وبالتالي في إيطاليا”. والأرقام تدعم حديثه؛ فالفارق بين عوائد السندات الإيطالية والألمانية، وهو مؤشر رئيسي للمخاطر، تراجع إلى أقل من ثلث مستواه عند تولي ميلوني منصبها. المستثمرون، على ما يبدو، أصبحوا أكثر اطمئنانًا.

تحديات قائمة

لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود. يرى محللون أن التحدي الأكبر قادم، فالدين العام لا يزال يتجاوز 130% من الناتج المحلي، والنمو الاقتصادي لا يزال ضعيفًا عند نحو 0.5% هذا العام. هذا يضع ميلوني أمام معادلة صعبة: كيفية الموازنة بين الالتزام بالسياسة المالية الحذرة التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي، وبين إرضاء الناخبين بتخفيضات ضريبية محتملة قبل انتخابات 2027. إنه اختبار حقيقي لقدرتها على الاستمرار في هذا المسار.

في المحصلة، تمثل ترقية “موديز” شهادة نجاح سياسية واقتصادية لحكومة ميلوني، وتؤكد أن الاستقرار السياسي هو حجر الزاوية لأي إصلاح اقتصادي. لكنها في الوقت نفسه تضع على عاتقها مسؤولية أكبر للحفاظ على هذا الزخم في مواجهة تحديات هيكلية عميقة لا تزال قائمة في الاقتصاد الإيطالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *