استثمارات مليارية في صناعة زجاج السيارات بمصر.. وطوفان صيني يهدد الطموحات

في قلب مشهد اقتصادي يتحرك بخطى حثيثة نحو تعميق التصنيع المحلي، تبرز صناعة زجاج السيارات في مصر كساحة سباق جديدة، حيث تضخ شركات عالمية ومحلية استثمارات تُقدر بمئات الملايين من الدولارات. هذه الموجة الاستثمارية لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى رؤية حكومية طموحة لتوطين صناعة السيارات، ورفع نسبة المكون المحلي إلى مستويات غير مسبوقة، مما يفتح شهية المستثمرين لسوق واعدة متعطشة للمنتج الوطني.
تتسارع وتيرة العمل في مصانع جديدة وتوسعات قائمة، مدفوعة بحزمة تحفيزات حكومية تهدف إلى جعل مصر مركزًا إقليميًا في هذا المجال. لكن خلف بريق الأرقام المليارية، يلوح في الأفق تحدٍ كبير يتمثل في “طوفان” المنتجات المستوردة منخفضة التكلفة، الذي يهدد بإغراق السوق وخنق طموحات الصناعة الوليدة قبل أن تقف على قدميها بقوة.
عمالقة الصناعة يراهنون على السوق المصرية
تقود شركات كبرى هذا الحراك الاستثماري، فعملاق الزجاج العالمي “سان جوبان مصر” تستعد لافتتاح مصنع ضخم في العين السخنة باستثمارات تصل إلى 170 مليون يورو بحلول عام 2026. هذا المشروع، بحسب أنطوان أندراوس، رئيس القطاع التجاري بالشركة، سيضاعف الطاقة الإنتاجية للزجاج المسطح، المادة الخام الأساسية لزجاج السيارات، ليؤمن احتياجات السوق المتنامية ويعزز من فرص الاكتفاء الذاتي.
على نفس الدرب، تسير “مجموعة دلمار الصناعية” التي تنشئ مصنعًا في مدينة السادات باستثمارات تفوق 30 مليون دولار، بهدف تغطية احتياجات 750 ألف سيارة سنويًا. كما تضخ “سيجور جلاس” 50 مليون جنيه في خطوط إنتاج جديدة، معتمدة على جودة الخامات المصرية، وعلى رأسها رمال السيليكا، التي تمنح المنتج المحلي ميزة تنافسية عالمية.
من الحلم إلى الواقع.. مجمعات صناعية متكاملة
لا تتوقف الطموحات عند هذا الحد، فمجموعة “د. جريش” عبر شركتها “هاي جلاس” تقيم مجمع مصانع متكامل في العاشر من رمضان باستثمارات تبلغ 500 مليون جنيه. وتؤكد هبة نصر، الرئيسة التنفيذية للشركة، أن هذه التوسعات تأتي استباقًا للطلب المتوقع مع زيادة إنتاج شركات تجميع السيارات في مصر، والتي تخطط لضخ 630 مليون دولار لرفع الإنتاج المحلي إلى 260 ألف سيارة سنويًا.
المنافسة غير العادلة.. كابوس الإغراق الصيني
رغم هذه الصورة المشرقة، يواجه المصنعون تحديًا وجوديًا. تحذر “نصر” من “منافسة غير عادلة” مع الواردات الرخيصة القادمة من الصين وشرق آسيا. ويتفق معها عبد العزيز عيسى، رئيس “العز جلاس”، الذي يؤكد أن السوق تعاني من إغراق بالزجاج الصيني الذي يباع بأسعار تقل بنسبة تصل إلى 40% عن المنتج المحلي، وهو ما يضع المصانع المصرية أمام خسائر محققة.
ويشير محمد محسب، رئيس “إيجي جلاس”، إلى أن الفجوة السعرية تفاقمت بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج في مصر، من طاقة وضرائب وأجور، بالإضافة إلى فوائد التمويل البنكي المرتفعة. ويضيف أن أسعار الخامات وحدها قفزت بأكثر من 200% في ثلاث سنوات، مما يلتهم هوامش الربح الضئيلة.
صرخة المصنعين.. هل تتدخل الحكومة؟
وصل الأمر ببعض الشركات، مثل مجموعة “جي إم جي”، إلى تجميد خطة استثمارية بقيمة 150 مليون جنيه، خوفًا من أن يؤدي الإغراق إلى توقف خطوط الإنتاج بالكامل. ويؤكد المصنعون أن مستقبل هذه الصناعة الحيوية بات مرهونًا بتدخل حكومي عاجل لتوفير حماية للصناعة الوطنية، عبر إجراءات صارمة ضد الممارسات التجارية الضارة، وخفض أعباء التشغيل، ودعم الصادرات.
الكرة الآن في ملعب الحكومة، التي أعلنت على لسان وزير الصناعة أنها تدرس بالفعل اتخاذ إجراءات حاسمة. وبينما ينتج القطاع حاليًا نحو 50 ألف قطعة زجاج شهريًا، يبقى السؤال معلقًا: هل ستنجح الاستثمارات المليارية في بناء قلعة صناعية حقيقية، أم ستظل أحلام توطين صناعة السيارات رهينة لإغراق الأسواق؟ المستقبل القريب سيحمل الإجابة.








