فائض النفط القادم.. كيف تحولت أسعار الفائدة إلى صداع يهدد الأسواق؟

في كواليس أسواق الطاقة العالمية، يدور حديث يتصاعد كهمس مقلق عن تسونامي نفطي يلوح في الأفق. بحلول أوائل عام 2026، تتجه سوق النفط نحو فائض وصفه مصرف «ماكواري» بأنه ضخم إلى حد «هزلي». الحل التقليدي معروف: افتحوا صهاريج التخزين العملاقة لاستيعاب ملايين البراميل الزائدة، لكن هذه المرة، يقف وحش غير متوقع في الطريق.
المشكلة التي لا تحظى بالاهتمام الكافي تكمن في أن أسعار الفائدة اليوم أعلى بكثير من أي وقت مضى خلال الـ 25 عامًا الماضية التي واجهت فيها الصناعة أزمات مماثلة. هذا يعني أن تمويل عمليات تخزين النفط الضخمة أصبح مكلفًا للغاية، وهو ما قد يحول الحل القديم إلى فخ يفاقم موجة التشاؤم التي تضرب أسعار الخام حاليًا.
الكونتانغو: حيلة التجار القديمة في مواجهة أزمة جديدة
مع قرار منظمة أوبك+ الأخير ببدء زيادة الإنتاج تدريجيًا، يصبح فهم ديناميكيات السوق أكثر إلحاحًا. تاريخيًا، عندما يظهر فائض كبير، يتغير منحنى الأسعار بسرعة لجعل التخزين مربحًا. تتراجع الأسعار الفورية (الحالية) عن أسعار العقود المستقبلية، وهي ظاهرة تُعرف في الصناعة باسم «الكونتانغو» (Contango).
يسمح هذا الوضع للمتداولين بشراء النفط الخام بسعر رخيص اليوم، وتخزينه، ثم بيعه آجلًا بسعر أعلى مضمون في سوق المشتقات، محققين ربحًا يغطي تكاليف التخزين والتمويل. شهدنا هذا السيناريو مرارًا، أبرزها خلال جائحة كورونا في 2020، وحرب الأسعار مع النفط الصخري بين 2014-2017، وعقب الأزمة المالية العالمية في 2008.
وحش أسعار الفائدة يلتهم أرباح التخزين
ما يغير المعادلة هذه المرة هو العامل الثالث في تحديد ربحية التخزين: تكلفة التمويل. فبينما كانت أسعار الفائدة تحوم حول 2.5% في 2009، و2% في 2015، وأقل من 1% في 2020، تتجاوز اليوم حاجز الـ 4%. هذا الفارق ليس هامشيًا، بل يمثل عبئًا ماليًا ضخمًا على من يمولون صفقات تخزين النفط.
حتى مع التوقعات بخفض البنوك المركزية لأسعار الفائدة، ستظل تكلفة الاقتراض أعلى بكثير من الفترات السابقة. يقدر متعاملون أن أسعار الفائدة الحالية تضيف نحو 10 سنتات إضافية شهريًا على تكلفة تمويل كل برميل. على مدار عام، يعني هذا أن فارق «الكونتانغو» يجب أن يكون أوسع بأكثر من دولار واحد للبرميل لمجرد تغطية التكلفة الإضافية.
هل تصمد الأسعار فوق 60 دولارًا؟
حاليًا، تلعب الصين دور المنقذ المؤقت، حيث تستوعب جزءًا كبيرًا من فائض المعروض لأسباب استراتيجية، مما أبقى السوق في حالة «باكورديشن» (Backwardation)، حيث الأسعار الفورية أعلى من الآجلة. لكن شهية بكين لن تكون كافية لاستيعاب الموجة القادمة، خاصة مع وصول حجم النفط المنقول بحرًا إلى مستويات قياسية.
قريبًا، ستحتاج السوق إلى التخزين التجاري على نطاق واسع، وهذا لن يحدث إلا عندما ينحرف منحنى الأسعار نحو «كونتانغو» عميق بما يكفي لجعله مربحًا. السؤال الآن ليس ما إذا كان سيحدث، بل إلى أي مدى سيصل هذا الفارق، وهل سيكون مدفوعًا بانخفاض حاد في الأسعار الفورية؟ في مواجهة تسونامي العرض الذي يوشك أن يضرب الشواطئ، يبدو أن عتبة الـ 60 دولارًا للبرميل أصبحت هشة للغاية.






