أزمة ثقة تلاحق البنوك المركزية: لماذا توقف الأمريكيون والبريطانيون عن تصديق وعود كبح التضخم؟
انفصال توقعات الأسر عن مستهدفات التضخم في واشنطن ولندن

تواجه البنوك المركزية في واشنطن ولندن معضلة متفاقمة تتعلق بانفصال توقعات التضخم لدى الأسر عن المستهدفات الرسمية، حيث أظهرت بيانات حديثة أن أكثر من 35% من العائلات الأمريكية تتوقع بلوغ التضخم مستوى 5% أو أكثر خلال السنوات العشر القادمة، وفقاً لتقديرات أكاديمية رصدتها صحيفة فاينانشال تايمز. هذه النسبة تتجاوز بكثير المتوسط التاريخي المسجل بين عامي 1999 و2019 والذي لم يتعدَّ 22%، مما يشير إلى تحول في السلوك الاستهلاكي قد يعيق جهود الاحتياطي الفيدرالي في كبح جماح الأسعار.
وفي المملكة المتحدة، كشفت مسوحات رسمية أن 28% من البريطانيين يتوقعون بقاء التضخم عند 5% بعد خمس سنوات من الآن، وهو أعلى مستوى يسجله البنك المركزي البريطاني منذ بدء رصد هذه التوقعات في عام 2009. وتكمن خطورة هذه الأرقام في تحولها إلى نبوءة ذاتية التحقق، إذ يدفع الخوف من غلاء المعيشة المستقبلي العمال إلى المطالبة بزيادة في **الأجور**، وهو ما يغذي بدوره دوامة التضخم الهيكلي ويقوض مفهوم **الاستقرار السعري** الذي تسعى البنوك لتحقيقه عبر استهداف معدل 2% كمعيار ذهبي للاستقرار منذ تسعينيات القرن الماضي.
ويرتبط هذا التدهور في التوقعات بشكل مباشر بتراجع مستويات الثقة في المؤسسات النقدية، حيث تشير بيانات استقصائية إلى أن ثقة الجمهور في أداء البنك المركزي البريطاني تحت قيادة المحافظ **أندرو بيلي** هوت إلى منطقة سالبة بلغت -20 نقطة، متأثرة بتداعيات “الميزانية المصغرة” لحكومة ليز تراس وذروة التضخم بعد الجائحة. وتاريخياً، تعتمد البنوك المركزية على “تثبيت التوقعات” كأداة غير ملموسة للسيطرة على الأسواق، إلا أن الفجوة الحالية تعكس فقدان الإيمان بقدرة صانعي السياسة على العودة إلى الانضباط النقدي السابق.
أما في الولايات المتحدة، فقد أظهر **مؤشر الثقة** في الاحتياطي الفيدرالي، الذي يعتمد على تحليل ملايين المنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تأثراً واضحاً بالتدخلات السياسية والفضائح المالية المرتبطة بتداولات بعض المسؤولين السابقين مثل إريك روزنغرين وروبرت كابلان. ورغم وجود بوادر تحسن طفيفة مع بروز اسم **كيفين وارش** كشخصية قيادية محتملة أو مؤثرة في السياسة النقدية، إلا أن المؤشر لا يزال في النطاق السلبي مقارنة بالقمم المسجلة في عام 2014، وفقاً لدراسة أعدها باحثون من بينهم ديفيد أيكمان.
إن استمرار هذه الحالة من عدم اليقين يضع ضغوطاً إضافية على الخطط المستقبلية لخفض أسعار الفائدة، حيث يخشى مسؤولو البنوك المركزية من أن أي تساهل نقدي قد يُفهم كإشارة ضعف، مما يرسخ قناعة الجمهور بأن التضخم المرتفع بات هو “الوضع الطبيعي الجديد”. وتؤكد الأدبيات الاقتصادية أن استعادة الثقة تتطلب تواصلاً شفافاً ونتائج ملموسة على أرض الواقع، خاصة وأن التدخلات السياسية، مثل هجمات الرئيس السابق دونالد ترامب المتكررة على الفيدرالي، ساهمت تاريخياً في تآكل هذه الثقة وجعلت مهمة محاربة التضخم أكثر تعقيداً.









