بعد صمت طويل.. شريحة دماغية تمكن مشلولاً من الكلام بصوته الحقيقي والعودة للعمل من سريره
تقنية تجريبية تنهي صمت مريض بالتصلب الضموري وتمنحه القدرة على العمل والتحدث بنبرته القديمة

كيسي هاريل، أمريكي يبلغ من العمر 47 عاماً، كان يعيش في صمت تام بسبب إصابته بمرض التصلب الجانبي الضموري، وهو نفس المرض العصبي الشهير الذي أصاب الكابتن مؤمن زكريا لاعب النادي الأهلي السابق وأبعده عن الملاعب. هاريل الآن يستطيع التحدث بطلاقة، وإرسال رسائل البريد الإلكتروني، وتصفح الإنترنت، بل وممارسة عمله بدوام كامل من منزله، وكل ذلك بمجرد التفكير، بفضل شريحة دماغية تجريبية زرعها الأطباء في رأسه.
النظام الجديد يعتمد على فك تشبير الإشارات العصبية وتحويلها إلى كلمات تظهر على الشاشة فوراً، ثم ينطقها الكمبيوتر بصوت رقمي تم تصميمه عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي ليتطابق تماماً مع نبرة صوت هاريل الحقيقية قبل أن يفتك المرض بأحباله الصوتية وعضلات جسده.
ثورة تتجاوز كراسي Hawking التقليدية
هذه التكنولوجيا تمثل قفزة هائلة مقارنة بالأنظمة القديمة التي كان يستخدمها علماء مشاهير مثل الفيزيائي الراحل ستيفن هاوكينغ، والتي كانت تعتمد على حركة عضلات الخد البطيئة للغاية لالتقاط الحروف. الشريحة الجديدة، التي تندرج تحت فئة واجهة الدماغ والحاسوب، تلتقط الإشارات الكهربائية عندما يحاول المريض التحدث فقط، حتى لو لم يتحرك فمه أو لسانه على الإطلاق، وتترجمها بدقة تصل إلى 92%.
استطاع المريض من خلال هذه الشريحة صياغة أكثر من 183 ألف جملة وما يقرب من مليوني كلمة على مدار عامين تقريباً من الاستخدام المنزلي اليومي. يتحكم هاريل في واجهة الكمبيوتر بنظرات عينيه، حيث تظهر حركة عينيه كـ “مؤشر” دائري أبيض، بينما ينفذ عملية “الضغط أو النقر” بمجرد التفكير فيها لتقوم تكنولوجيا الهندسة عصبية بتحويل الفكرة إلى أمر فوري.
من المختبر المغلق إلى تفاصيل الحياة اليومية
التجارب السريرية لهذه التكنولوجيا تجري ضمن مشروع معروف باسم “BrainGate 2″، وهو امتداد لأبحاث تكنولوجيا طبية بدأت نسختها الأولى منذ عام 2004 لتطوير الأطراف الصناعية العصبية ومساعدة المصابين بحالات شلل كلي. النقلة الحقيقية الآن هي خروج الجهاز من جدران المختبرات المعقمة إلى غرف المعيشة العادية؛ حيث تم تثبيت وحدة فك التشفير على عربة متحركة ترافق المريض طوال يومه بمساعدة بسيطة من زوجته أو مقدم الرعاية في الصباح الباكر.
سرعة تواصل هاريل وصلت إلى 56 كلمة في الدقيقة، وهو معدل تواصل سريع جداً وغير مسبوق في أبحاث الاتصال العصبي مقارنة ببداية التجربة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا.
طور الباحثون نظاماً خاصاً يُدعى “وضع الخصوصية”، وهو ما يتيح للمريض إيقاف التسجيل في أي وقت يريده للاحتفاظ بأفكاره لنفسه دون أن يقوم النظام بترجمتها علناً أو حفظها في خوادم رعاية المرضى المخصصة للدراسة التي نشرتها مجلة Nature Medicine العلمية.
يصف هاريل استعادة الكلام وتأثير الشريحة على حياته قائلاً: “إنه أمر رائع حقاً أن أتمكن من النظر في عيني زوجتي وهي تسمع صوتي مجدداً، وأن أشرح لابنتي الصغيرة التي لا تتذكر نبرة صوتي الطبيعية كيف كان يبدو صوت أبيها قبل أن يقعده المرض”.











