
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة كوليدج لندن أن قدرة الإنسان على تمييز أصوات أمعائه ليست مجرد مهارة عابرة، بل هي جزء مما يسمى بـ “الحاسة السادسة” التي تربط بين الحالة الجسدية والنفسية. وأوضح الباحثون في تقريرهم المنشور بمجلة Scientific Reports أن هذه القدرة، المعروفة علمياً بـ “الإدراك الداخلي للجهاز الهضمي”، تساعد العقل على تفسير إشارات الجوع والعطش وحتى المشاعر العميقة.
تجارب كركبة البطن
شارك في هذه التجارب 45 شخصاً من البالغين الأصحاء، حيث طُلب منهم الصيام لمدة ثلاث ساعات قبل وضع سماعة طبية رقمية على منطقة البطن لرصد أصوات الأمعاء التي يسميها العلماء “قرقرة المعدة”. واختبر الباحثون قدرة المشاركين على التفرقة بين تسجيل حي لأصوات بطونهم في اللحظة الحالية وبين تسجيل آخر تم رصده قبل دقائق قليلة، لتقييم مدى وعيهم بما يحدث داخل أجهزتهم الهضمية.
أظهرت النتائج أن دقة المشاركين في التعرف على أصوات معدتهم الحقيقية تراوحت بين 56% إلى 60%، وهي نسبة اعتبرها الباحثون في جامعة كوليدج لندن أعلى قليلاً من مجرد التخمين العشوائي. وأشار التقرير إلى أن الجهاز الهضمي يمتلك نظاماً عصبياً مستقلاً يُعرف بـ “المخ الثاني”، ويحتوي على نحو 100 مليون خلية عصبية تعمل بشكل دائم للتواصل مع الدماغ، وهو ما يفسر لماذا نشعر بـ “انقباض البطن” عند التوتر أو الخوف.
علاقة الأمعاء بالمزاج
يرى العلماء أن ضعف هذه الحاسة السادسة قد يكون مرتبطاً بمشاكل صحية ونفسية معقدة، حيث ذكرت الدراسة أن الأشخاص الذين لا يستطيعون تفسير إشارات بطونهم بشكل صحيح قد يعانون من اضطرابات الأكل أو القلق والاكتئاب. وتلعب الأمعاء دوراً حيوياً في الحالة المزاجية، حيث يتم إنتاج نحو 95% من هرمون السيروتونين، المعروف بهرمون السعادة، داخل الجهاز الهضمي وليس في الدماغ، مما يجعل أي خلل في إشارات البطن مؤثراً مباشراً على الحالة النفسية.
تعتمد سرعة انتقال هذه الإشارات بين البطن والمخ على “العصب الحائر”، وهو الطريق الرئيسي الذي يربط أعضاء الجسم الداخلية بالجهاز العصبي المركزي، وفقاً لما ذكره الباحثون في سياق تفسيرهم لكيفية إدراكنا لتلك الأصوات. ووجدت الدراسة أن واحداً من كل خمسة مشاركين كان لديه قدرة فائقة على تمييز أصوات أمعائه أثناء الجوع، بينما زادت هذه النسبة إلى واحد من كل أربعة بعد تناول مشروب بروتيني أو مياه غازية.
أكد الباحثون في دراستهم أن فهمنا لأصوات المعدة هو سلوك مكتسب يبدأ منذ الطفولة، حيث يعلم الآباء أطفالهم أن “قرقرة البطن” تعني الجوع، مما يبني رابطاً ذهنياً طويل الأمد بين الأحاسيس الجسدية ومعانيها. وأشار الفريق البحثي إلى أن تطوير أدوات غير جراحية، مثل السماعات الرقمية المستخدمة في البحث، سيفتح الباب لفهم أعمق للعلاقة بين أمراض القولون العصبي والحالة النفسية للمرضى بعيداً عن الطرق التقليدية المزعجة.











