عرب وعالم

تصدعات في الجدار الصلب: كيف يتغير الدعم الأمريكي لإسرائيل بعد حرب غزة؟

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

لم يكن الدعم الأمريكي لإسرائيل مجرد سياسة، بل كان أشبه بعقيدة راسخة في واشنطن. لكن يبدو أن الزلزال الذي ضرب المنطقة في السابع من أكتوبر لم يهز فقط أسس الأمن في الشرق الأوسط، بل هز أيضًا هذه العقيدة من جذورها، كاشفًا عن تصدعات عميقة في جدار الدعم الذي كان يُعتقد أنه صلب، سواء داخل أروقة السياسة أو في الشارع الأمريكي.

من بايدن إلى ترامب.. دعم استراتيجي وانتقادات متزايدة

في أعقاب الصدمة، هرعت إدارة الرئيس جو بايدن لنجدة الحليف التاريخي، مرسلةً حاملات الطائرات في رسالة ردع واضحة لإيران وحزب الله. كان المشهد يعيد للأذهان هجمات 11 سبتمبر، وبدا أن الوقوف مع إسرائيل واجب لا يقبل الجدال. لكن مع تصاعد أعداد الضحايا المدنيين في غزة، بدأت نبرة واشنطن تتغير، وتحولت الهمسات إلى انتقادات، وإن ظلت في إطار الحرص على عدم التخلي عن الدعم الاستراتيجي.

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تعزز الدعم الحكومي ظاهريًا، حتى إنه طرح أفكارًا غير مسبوقة لإنهاء النزاع. ورغم ذلك، فإن هذا الدعم لم يعد يحظى بالإجماع الشعبي الذي كان عليه في الماضي، حيث أظهرت استطلاعات الرأي تآكلًا واضحًا في تأييد سياسات إسرائيل، وهو ما خلق ضغطًا متزايدًا على الإدارة الجديدة.

انقسام ديمقراطي.. أصوات جديدة تتحدى المسلمات

تجسد هذا التغير بشكل صارخ داخل الحزب الديمقراطي، الذي كان تاريخيًا الحاضنة السياسية لليهود الأمريكيين. فالجناح اليساري، الذي تقوده شخصيات مثل أليكساندرا أوكاسيو كورتيز، لم يعد يكتفي بالاعتراض، بل أصبح يقود حراكًا منظمًا ضد الدعم المطلق. وتصاعدت هذه الأصوات مع بروز شخصيات مثل زهران ممداني، المرشح الأوفر حظًا لرئاسة بلدية نيويورك، والذي هدد بتطبيق مذكرة اعتقال المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو إذا زار المدينة.

يقول الخبير في الأمن القومي جورج سورنسيوني، وهو ديمقراطي من عائلة يهودية: “لقد دعمنا إسرائيل لعقود، لكن هذا الدعم يُستنزف الآن. أبنائي أنفسهم لا يؤيدون ما تفعله. إذا استمرت إسرائيل في هذه السياسة، فسوف تحطم الرابطة الوثيقة بين شعبينا”.

الجمهوريون ليسوا على قلب رجل واحد

في المقابل، بدا الحزب الجمهوري أكثر تماسكًا في دعمه السياسي لإسرائيل داخل الكونغرس. لكن هذا التماسك يخفي انقسامًا متزايدًا في القاعدة الشعبية المحافظة. بدأ جزء كبير من ناخبي ترامب يتساءلون عن جدوى هذا الدعم المطلق، خاصة مع تزايد الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة.

برزت أصوات مؤثرة مثل المذيع تاكر كارلسون، الذي تحدى هذه المسلمات بشكل مباشر، متسائلًا عما إذا كان هذا الدعم يتعارض مع مبدأ “أمريكا أولًا” الذي بنى عليه ترامب عهده مع مؤيديه. لقد فتح كارلسون الباب أمام نقاش كان يُعتبر من المحرمات في الأوساط المحافظة.

اغتيال كيرك.. رمزية الصراع الداخلي

جاء اغتيال الناشط المحافظ تشارلي كيرك في سبتمبر 2025 ليلقي بظلاله على هذا الجدل. عُرف كيرك بدفاعه الشرس عن إسرائيل في المناظرات الجامعية، لكنه في أيامه الأخيرة بدأ يفتح مساحة لمنتقديها مثل تاكر كارلسون وديف سميث، وهو ما عرّضه لغضب شديد من داعميه التقليديين. شكوى كيرك من هذا الضغط، وتأكيده أنه “أمريكي أولًا”، جسدت الصراع الداخلي الذي يعيشه التيار المحافظ.

ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نعاه باعتباره “صديقًا شجاعًا”، إلا أن هذه التغيرات أجبرت ترامب نفسه على الاعتراف بأن إسرائيل “تخسر معركة الرأي العام العالمي”. لقد أظهرت مبادرة ترامب الأخيرة لإنهاء الحرب، والتي حظيت بدعم إقليمي، أن حتى أقوى حلفاء إسرائيل بات يدرك أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد شيكًا على بياض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *