فن

صنعتها الخيبات الشخصية.. كيف تحولت وحدة إيرنا فيليبس إلى إمبراطورية مسلسلات الصابون؟

مؤسسة الدراما اليومية التي طردها ممولوها قبل أن تشهد العصر الذهبي لابتكارها

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

انطلقت إمبراطورية “مسلسلات الصابون” (Soap Operas) التي تهيمن اليوم على بنية الدراما العالمية من وحي الخيبات الشخصية والوحدة التي عاشتها الكاتبة الأمريكية إيرنا فيليبس. فيليبس، التي بدأت مسيرتها ممثلة صوتية في محطة إذاعية في شيكاغو عام 1930، صنعت أول دراما إذاعية بعنوان “أحلام مطلية” (Painted Dreams) لتمنح بطلاتها الخياليات علاقات عاطفية وحياة أسرية حُرمت هي منها في الواقع. صرحت فيليبس لاحقاً في مقابلة شهيرة مع مجلة The Saturday Evening Post عام 1960 بأنها وهبت بطلات قصصها كل الرجال والفرص التي تمنت الحصول عليها في شبابها الذي غاب عنه الشركاء.

عانت مؤسسة هذا الفن التلفزيوني من طفولة قاسية للغاية؛ إذ نشأت كأصغر عشرة أبناء لبقال يكافح في شيكاغو توفي وهي في الثامنة من عمرها، ثم تعرضت للهجر من صديقها وهي في التاسعة عشرة لتلد طفلاً ميتاً وهي غير متزوجة. ورغم أن الصحافة الأمريكية وصفتها لاحقاً بـ “العانس البدينة”، ورغم استبعادها من المسرح لكونها “قصيرة وقبيحة”، فإنها ركزت طاقتها الكاملة على بناء أول نموذج صناعي لإنتاج النصوص اليومية بمعدل كتابة مذهل تراوح بين مليوني وثلاثة ملايين كلمة سنوياً، تمليها على سكرتيرتها من شقتها في شيكاغو لتصنع مجد الأعمال الدرامية المعاصرة.

المعادلة التجارية لهذه المسلسلات تأسست على رعاية شركات المنظفات مثل “بروكتر آند غامبل” (P&G)، التي لم تكتفِ برعاية البث لبيع مساحيق الغسيل لربات البيوت، بل أسست ذراعاً إنتاجية خاصة بها عُرفت باسم “بروكتر آند غامبل للإنتاج” (PGP) للتحكم الكامل في محتوى القصص وصناعتها كنموذج ريادي للمحتوى الإعلاني المدمج. هذا التمويل الضخم سمح لفيليبس بتطوير مسلسل “الضوء المرشد” (Guiding Light) عام 1937، والذي كان أول مسلسل ينتقل بنجاح من الراديو إلى التلفزيون.

امتد عرض مسلسل “الضوء المرشد” ليصبح أطول عمل درامي في تاريخ التلفزيون والاتصالات بـ 72 عاماً من البث المتواصل بين الراديو والتلفزيون حتى توقفه نهائياً في سبتمبر 2009 مسجلاً أكثر من 15 ألف حلقة. وضعت فيليبس من خلاله القواعد الهيكلية لمسلسلات الغموض والقصص العائلية المفتوحة، وعلمت جيلاً من المبدعين مثل أغنيس نيكسون التي ابتكرت مسلسل “كل أطفالي”، وويليام بيل مبتكر مسلسل “شاب وقلق”.

تجاوزت هذه الأعمال حدود الترفيه اليومي لتطرح قضايا اجتماعية بالغة الحساسية قبل عقود من تجرؤ التلفزيون المسائي عليها، حيث قدم مسلسل “عالم آخر” (Another World) أول قصة تتناول الإجهاض في التلفزيون عام 1964. تسببت جرأة فيليبس في مواجهات مستمرة مع الرقابة التلفزيونية، لا سيما عندما قدمت علاقة عاطفية عابرة للأعراق في مسلسل “الحب شيء رائع متعدد الألوان” عام 1967، وهو ما دفعها لمغادرة العمل بعد مضايقات من شبكة “CBS”، قبل أن تطردها شركة “بروكتر آند غامبل” نهائياً من مسلسل “مع دوران العالم” (As the World Turns) عام 1973 بسبب خط درامي اعتبرته الشركة غير أخلاقي.

البناء السردي القائم على الأزمات العائلية اليومية والنهايات المعلقة الذي ابتكرته فيليبس ألهم لاحقاً نمو صناعة “التيلينوفيلا” (Telenovelas) في أمريكا اللاتينية، والتي استوحت ذات الزخم اليومي والصراع الطبقي والعاطفي مع إدخال تعديل جوهري يتمثل في وضع نهايات مغلقة للقصص بعد عدد محدد من الحلقات. هذا النموذج انتقل تدريجياً ليعيد تشكيل التلفزيون الحديث بأكمله، بدءاً من مسلسلات الدراما الكبرى مثل “Mad Men” و”Succession”، وصولاً إلى برامج تلفزيون الواقع المعاصرة التي تعمل كمسلسلات صابون غير مكتوبة.

رغم تراجع نسب المشاهدة منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب دخول النساء إلى سوق العمل وبث المحاكمات الواقعية مثل محاكمة “أو جيه سيمبسون” عام 1995، لا يزال هذا الإرث حياً في الشبكات التلفزيونية الحديثة. أطلقت شبكة CBS مؤخراً مسلسل “ما وراء البوابات” (Beyond the Gates) ليعيد تكييف صيغة فيليبس الكلاسيكية مع قضايا العصر مثل التنمر الإلكتروني ومشاكل العقم لدى العائلات المعاصرة.

مقالات ذات صلة