من الشاشات إلى المسارح.. لماذا يهرب فنانو الإنترنت إلى ‘المحاضرة الأدائية’؟
فنانو منصات التواصل يستبدلون الكاميرا الأمامية بخشبة المسرح بحثاً عن اعتراف مؤسسي مفقود

تبدو المعادلة الفنية المعاصرة آخذة في التحول بشكل جذري؛ فنانو إنترنت وصناع محتوى يمتلكون مئات الآلاف من المتابعين الافتراضيين باتوا يتزاحمون لحجز مقاعدهم على خشبات المسارح الحقيقية، مدفوعين برغبة جماعية في تحويل شاشات الهواتف إلى فضاءات عرض مادية. في بروكلين، غصّ مسرح ‘روليت إنترمديوم’ بالجمهور لمتابعة العرض الأدائي للفنانة مايا مان المعنون بـ ‘StarQuest’، وهو ما يعكس تنامياً لافتاً لوسيط ‘المحاضرة الأدائية’ كأداة يعيد من خلالها مبدعو العصر الرقمي تعريف حضورهم الفني بعيداً عن قيود الفضاء الافتراضي المكرر.
هذا الاندفاع نحو الخشبة ليس مجرد تجربة عابرة، بل يبدو استجابة واضحة للأزمة الاقتصادية التي ضربت الفضاء الرقمي، حيث جاء هذا التحول المادي متزامناً مع تداعيات انهيار سوق الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) بين عامي 2022 و2023، مما أجبر فناني الوسائط الرقمية على البحث عن سبل بديلة لتمويل مشاريعهم ونيل اعتراف المتاحف والمؤسسات الفنية الكبرى التي ما زالت تفضل الأثر المادي الملموس وتخصيص المنح المباشرة له.
تتصدر المشهد اليوم أسماء بارزة مثل مندي سيو، التي تجوب العالم بعرضها ‘التاريخ الجنسي للإنترنت’، وجوشوا سيتاريلا الذي اعتُبر تسجيله الحي لبودكاست ‘Doomscroll’ جزءاً من مشاركته الرسمية في بينالي ويتني لعام 2026. هذا الحضور المؤسسي يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العمل الفني المعاصر؛ فلم يعد هناك ‘منتج مادي’ يُعرض على الجدران، بل مجرد لافتة في الممر تشير إلى موعد التسجيل الحي للبودكاست داخل أروقة المتحف، مما يثبت أن التعليق النقدي على الثقافة الرقمية بات هو نفسه العمل الفني البديل المقبول مؤسسياً.
النجاح التجاري لهذه العروض المباشرة يستند بالأساس إلى مفهوم ‘التفاعل شبه الاجتماعي’، حيث يستغل هؤلاء الفنانون علاقة الألفة الافتراضية التي بنوها مع جمهورهم خلف الشاشات لترجمتها إلى تذاكر مباعة في قاعات مغلقة، مستبدلين آلية البث المباشر الفردي عبر الهواتف بتجربة جماعية مادية تمنح المتابع شعوراً زائفاً بالانتماء لطبقة النخبة الفكرية والمشاركة الفعلية في الحدث.
المحاضرة الأدائية ليست ابتكاراً وليد اللحظة الرقمية، بل تمتد جذورها التاريخية إلى حركة الفن المفاهيمي وتحديداً عروض الفنان الألماني جوزيف بويس الذي حوّل قاعات التدريس الأكاديمي والسبورات الطباشيرية في السبعينيات إلى قطع فنية تُعرض في كبرى متاحف العالم، مرسخاً فكرة أن الشرح والتعليم هما أرقى أشكال الممارسة الجمالية والسياسية المقاومة للسلعية الفنية.
تحتاج الأعمال الفنية القائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بطبيعتها إلى شرح مزدوج؛ أولاً لتفكيك معناها الفني، وثانياً لشرح كيفية عمل البرمجيات المعقدة المستعملة في إنتاجها لتمكين المتلقي من فهم الرسالة الإبداعية. تقدم مايا مان نموذجاً عملياً في عرضها، حيث تشرح للجمهور كواليس تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على لقطات من برنامج الواقع ‘Dance Moms’ لإنتاج لوحات راقصة مشوهة، لتقارن في النهاية بين سعي هذه البرمجيات نحو الكمال، وبين الرقابة الذاتية المستمرة التي تمارسها الشابات على أنفسهن أثناء تقديم محتوياتهن الافتراضية.
الاستمرار في نشر المحتوى الرقمي عبر المنصات لم يعد كافياً للاعتراف بالفرد كفنان داخل الأوساط النخبوية، وهو ما يدفع هؤلاء المؤثرين والمصممين إلى التجسيد الحي لخطابهم الإبداعي على المسرح. تسييل الذات وتحويل اليوميات الرقمية إلى مادة حية على الخشبة هما الطريق الأسرع اليوم لتحويل المنشور العابر إلى أثر فني عصي على الزوال والنسيان السريع داخل خوارزميات التواصل الاجتماعي.











