مصر ترد بحزم: «لن تكون القاهرة بوابة لتهجير الفلسطينيين» وتصريحات نتنياهو “خط أحمر”

بصوتٍ عالٍ وواضح، أطلقت القاهرة موقفها الحاسم، مُعلنةً أن «مصر لن تكون بوابة لتهجير الفلسطينيين»، وذلك رداً على التصريحات الأخيرة لرئيس وزراء إسرائيل التي لمّحت إلى إمكانية ترحيل أهالي غزة، بما في ذلك عبر معبر رفح. رسالة مصر الموجهة ليست فقط للحكومة الإسرائيلية، بل للمجتمع الدولي بأسره، لتؤكد مجدداً رفضها القاطع لأي محاولات تستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، مُشددةً على أن هذا الأمر يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه أو التهاون فيه.
فالقاهرة ترفض أن تكون طرفاً أو شريكاً في أي صورة من صور الظلم بحق الشعب الفلسطيني الشقيق، الذي قدمت له وما زالت تقدم كل الغالي والنفيس دفاعاً عن قضيته العادلة ودعماً لحقوقه المشروعة. ويؤكد الخبراء والمحللون أن هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لدعم مصر الثابت منذ اللحظة الأولى لاحتلال فلسطين وعلى مدار أكثر من سبعة عقود، مؤكدين أن مصر لن تحيد قيد أنملة عن مبادئها الأصيلة.
موقف مصر الثابت: صخرة تتكسر عليها المؤامرات
أجمع خبراء ومحللون، في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط، على أن مصر، بتاريخها العريق في دعم القضية الفلسطينية، لن تتخلى عن مبادئها. ويؤكدون أن القاهرة تظل على الدوام يقظة ومدركة تماماً لما يُحاك ضد المنطقة، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً وتكراراً، مشدداً على ضرورة الوعي الشامل بالتهديدات المحيطة.
البعد الاستراتيجي لموقف القاهرة
في هذا الإطار، أكد اللواء طيار دكتور هشام الحلبي، الخبير الاستراتيجي، أن الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية ثابت وواضح منذ عام 1948، ويقوم على دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه وتمكينه من الحصول على حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. هذه النقطة، كما أشار، تمثل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية المصرية.
وأوضح الحلبي أن السيناريو الإسرائيلي المتعلق بـتهجير الفلسطينيين ليس بجديد، إذ تحاول تل أبيب إحياءه من وقت لآخر، غير أن مصر تتصدى دائمًا لهذا المخطط المرفوض ليس فقط من الدول العربية والإسلامية، بل من غالبية الدول الغربية التي تنادي بالعدل والسلام. وأضاف أن إسرائيل واجهت رفضًا قاطعًا من الدوائر الإقليمية والدولية والأمم المتحدة لمحاولاتها السابقة في هذا الصدد.
وشدد الخبير الاستراتيجي على أن الموقف المصري يرتكز على ثلاثة أبعاد جوهرية:
- البعد الإنساني والتاريخي: تضامن مصر الراسخ مع الشعب الفلسطيني.
- البعد القانوني: عدم أحقية إسرائيل بتهجير الفلسطينيين وفقاً للقانون الدولي.
- البعد الوطني: القضية الفلسطينية هي قضية أرض يسكنها شعب، وفصل الشعب عن أرضه يعني إنهاء القضية، وهذا ما يدركه العالم الآن.
وأكد أن الموقف المصري لا يتأثر بأي ضغوط إقليمية أو دولية، مهما كان مصدرها، وهو ما حظي بتقدير واسع من مختلف دول العالم، وشجع العديد منها على رفض السياسات الإسرائيلية ودعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وأشار إلى أن مصر تواصل تحركاتها الدبلوماسية الدؤوبة لحشد الجهود الدولية، ولا سيما مع الدول العربية والإسلامية، بهدف وقف الحرب وتحقيق السلام والاستقرار.
وذكّر الحلبي باستضافة القاهرة لرؤساء دول وحكومات ومسؤولين أمميين، وإطلاعهم ميدانيًا من أقرب نقطة ممكنة – سواء العريش أو معبر رفح – على الأوضاع الإنسانية الكارثية جراء الإغلاق الإسرائيلي وعرقلة دخول المساعدات الإغاثية. كما لفت إلى أن القاهرة تواصل مساعيها المضنية وضغوطها من أجل استئناف المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى، بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة الأمريكية. واختتم بالتأكيد على التوافق التام بين الموقفين الرسمي والشعبي في مصر، الذي يضع القضية الفلسطينية على رأس الأولويات باعتبارها قضية مصيرية.
نتنياهو ومعبر رفح: كشف النوايا الحقيقية
من جهته، أكد العميد خالد عكاشة، الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، أن تصريحات رئيس وزراء الاحتلال حول معبر رفح تمثل اعترافًا صريحًا بأن إسرائيل هي من تتحكم في المعبر من الجانب الفلسطيني، وأن نوايا فتحه مشروطة فقط بـتهجير الفلسطينيين. وأضاف أن بنيامين نتنياهو كشف للعالم ثلاث حقائق أساسية:
- إعلانه نية التطهير العرقي.
- تجاهله التام للقوانين الدولية والاتفاقيات.
- مسؤوليته المباشرة عن تعطيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وقال عكاشة: «واهم من يتخيل أن مصر يمكن أن تجعل من معبر رفح أداة لتصفية القضية الفلسطينية التي قدمت لها مصر الغالي والنفيس». وحذر من أن استمرار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والجرائم المعلنة التي ترتكبها إسرائيل دون محاسبة، يهددان السلم والأمن الدوليين ويقوضان ثقة الشعوب في منظومة العدالة الدولية.
ولفت الخبير في الأمن الإقليمي إلى أن أي مخطط يستهدف تهجير سكان قطاع غزة أو تصفية القضية الفلسطينية يعد خطًا أحمر للدولة المصرية على المستويين الرسمي والشعبي. مشيرًا إلى أن الوجدان الشعبي المصري ظل عبر التاريخ منحازًا لحقوق الشعب الفلسطيني، وأن حلم إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس يمثل عقيدة مصرية أصيلة تتوارثها الأجيال والقادة على حد سواء.
رسائل القاهرة الدبلوماسية والأمنية: “إذا عدتم عدنا”
من ناحيته، أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن بيان وزارة الخارجية المصرية الذي استنكر التصريحات المنسوبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن تهجير الفلسطينيين عبر معبر رفح، جاء واضحًا وكاشفًا، وفي توقيت بالغ الأهمية من حيث دلالاته ورسائله السياسية المباشرة. وأوضح فهمي أن القاهرة لم تكتفِ بإرسال رسائل سياسية ودبلوماسية فحسب، بل حمل موقفها رسائل أمنية بليغة، في مقدمتها “إذا عدتم عدنا”، في إشارة إلى أن استمرار إسرائيل في طرح خطط التهجير، سيمسّ بشكل مباشر طبيعة العلاقات القائمة بين البلدين.
وأشار إلى أن مصر ترد على المواقف المتضاربة والمتناقضة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، لافتًا إلى ما كشفته استطلاعات الرأي الأخيرة من تراجع حاد في شعبيته وتدهور وضع ائتلافه الحاكم. ونبّه فهمي إلى أن عودة بنيامين نتنياهو لطرح ما يسميه “مدينة إنسانية” في رفح جنوب قطاع غزة، تعكس خطة واضحة المعالم تستهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين تحت شعارات إنسانية زائفة.
وشدد على أن مصر، التي تجمعها بإسرائيل معاهدة سلام، تمتلك العديد من الأدوات والإجراءات الرادعة القادرة على تصحيح السلوك الإسرائيلي. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الإدارة الأمريكية، الداعمة لحكومة تل أبيب، تتحمل مسؤولية مباشرة في ردع إسرائيل وضمان استقرار المنطقة. وأشاد أستاذ العلوم السياسية، بالجهود المصرية المتواصلة في حماية القضية الفلسطينية والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلى جانب تحركاتها المكثفة لدفع المجتمع الدولي نحو الاعتراف بـالدولة الفلسطينية المستقلة.
انتهاك صارخ للقانون الدولي: تهجير جريمة حرب
في السياق ذاته، أكد الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي، أن التصريحات الإسرائيلية بشأن تهجير الفلسطينيين تمثل خرقًا جسيمًا لـالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تحظر بشكل قاطع التهجير القسري للمدنيين. وأوضح سلامة أن سياسة التهجير، سواء تحت غطاء طوعي أو عبر الإكراه، تُعد وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية جريمة حرب تستوجب المساءلة.
وسلط الخبير القانوني الضوء على أن البيان المصري الذي استهجن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول التهجير جاء ليؤكد موقف القاهرة الراسخ من تلك المخططات، ورفضها أن تكون معبرًا أو شريكًا في أي عملية ترحيل للفلسطينيين من أراضيهم، في انسجام تام مع المبادئ الدولية التي تكفل حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير.
وأشار إلى أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي تعكس استمرار سياسة إسرائيل في عرقلة الجهود الإنسانية، في تحدٍ لقرارات محكمة العدل الدولية التي شددت في يناير 2024 على رفض هذه الممارسات. ولفت إلى أن شهود عيان، بينهم مسؤولون دوليون وزعماء عالميون زاروا معبر رفح، وأكدوا أن إسرائيل هي الجهة المسؤولة عن فرض الإغلاق على الجانب الفلسطيني من المعبر، وهو ما فاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
واعتبر أن تصريحات نتنياهو حول التهجير لا تكشف فقط عن غياب النوايا الحسنة تجاه أي تسوية أو وقف دائم لإطلاق النار، بل تُقوض أيضًا فرص حل الدولتين، منبهاً إلى أنها تمثل محاولة مكشوفة لتغيير التركيبة الديموغرافية في غزة بما يخالف قواعد القانون الدولي. وشدد سلامة على أن مصر جددت رفضها المطلق لمثل هذه المخططات، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في مواجهة هذه الانتهاكات الصارخة ومحاسبة مرتكبيها.
مخطط تصفية القضية وتصدير الأزمة
بدوره، قال السفير ياسر عثمان، مساعد وزير الخارجية الأسبق وسفير مصر السابق لدى فلسطين، إن التصريحات المنسوبة إلى نتنياهو بشأن التهجير عبر معبر رفح تكشف بوضوح الهدف الأساسي من وراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. الهدف المتمثل في دفع سكان القطاع نحو مصر وتفريغ أرضه تمهيدًا للاستيلاء عليها، في إطار مساعٍ لتصفية القضية الفلسطينية وتصدير الأزمة برمتها إلى القاهرة.
وأشار إلى أن هذه التصريحات تقوم على سلسلة من الأكاذيب والإدعاءات الباطلة، مؤكدًا أن إسرائيل هي المسؤولة الأولى عن الكارثة الجارية، إذ تلجأ إلى القتل والمجازر والتجويع والترويع لإجبار سكان غزة على النزوح. وهو ما يشكل جريمة حرب واضحة وتطهيرًا عرقيًا ممنهجًا ضد الشعب الفلسطيني. وأضاف أن مصر لم تدخر جهدًا في دعم ومساندة سكان القطاع على مختلف المستويات للتخفيف من معاناتهم، لافتًا إلى الجهود المصرية المتواصلة لوقف العدوان الإسرائيلي، ومشدّدًا على أن محاولات التشكيك في الموقف المصري أو السعي لتصدير الأزمة إليها محكوم عليها بالفشل.
واختتم عثمان بالتأكيد أن تصريحات رئيس وزراء حكومة الاحتلال تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار الإقليميين، الأمر الذي يستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا لوقف هذا المخطط وإفشاله.











