صحة

تحت أقدامهم.. نعل ذكي منخفض التكلفة يعيد الأمل لمرضى الشلل الرعاش والسكتة الدماغية

في صمت، يعاني الملايين حول العالم من تحديات الحركة التي تفرضها أمراض مثل الشلل الرعاش والسكتات الدماغية، حيث تصبح كل خطوة مغامرة محفوفة بالمخاطر. لكن من قلب مختبرات البحث العلمي، تومض بارقة أمل جديدة قد تعيد التوازن لحياتهم، وهي تقنية بسيطة توضع داخل الحذاء.

فقد نجح فريق من الباحثين في معهد جورجيا التقني في ابتكار جهاز إلكتروني ثوري قابل للارتداء، عبارة عن نعل حذاء ذكي، صُمم خصيصًا ليكون بمثابة حارس شخصي وخفي يساعد في تحسين قدرة المشي لدى هؤلاء المرضى، ويفتح الباب أمام مستقبل أكثر أمانًا واستقلالية.

قراءة خريطة الخطوات بدقة متناهية

يكمن سر هذا الابتكار في شريحة مرنة ورقيقة للغاية، مزروعة بأكثر من 170 مستشعرًا دقيقًا. هذه المستشعرات لا تفعل شيئًا سوى قياس ضغط القدم في كل جزء من الثانية، لترسم خريطة حية لكيفية توزيع وزن الجسم أثناء المشي. هذه البيانات هي المؤشر الأدق لتحديد أي اختلال في التوازن قد يسبق السقوط بلحظات.

ويُعد اضطراب المشي أحد أقسى تبعات الإصابة بالسكتة الدماغية أو مرض باركنسون، فهو لا يبطئ الحركة فحسب، بل يغرس في نفس المريض خوفًا دائمًا من السقوط، مما يحد من حركته ويزيد من عزلته. وتظل الحلول الحالية، مثل جلسات العلاج الطبيعي، باهظة التكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، مما يجعلها بعيدة عن متناول الكثيرين.

سر التكلفة المنخفضة.. تقنية في متناول الجميع

على الرغم من أن فكرة الأحذية الذكية ليست جديدة، إلا أن التحدي الأكبر كان دائمًا في تحقيق التوازن بين الفعالية والتكلفة. وهنا، برع مختبر البروفيسور هونج يو، الذي بنى سمعته على تطوير أجهزة طبية قابلة للارتداء، في إيجاد الحل. اعتمد الفريق على تقنية “الطباعة بالشاشة”، وهي طريقة شائعة ومنخفضة التكلفة في صناعة الإلكترونيات.

يوضح البروفيسور يو: “الطباعة بالشاشة خيار مثالي لأنها رخيصة وقابلة للتطوير على نطاق واسع. حين نفكر في الإنتاج التجاري الضخم، نجد أنها منصة جاهزة بالفعل في قطاع الإلكترونيات”، وهو ما يفسر الهدف الطموح للفريق بإبقاء سعر النعل الذكي النهائي للمستهلك أقل من 100 دولار.

تصميم يراعي الإنسان وآفاق تتجاوز العيادة

لم يغفل فريق البحث عن الجانب الإنساني، فركزوا على أن يكون النموذج الأولي رقيقًا ومريحًا لدرجة أنه يوضع في أي حذاء عادي دون أن يشعر به المستخدم. كما زُوّد النعل الذكي بتقنية بلوتوث لإرسال البيانات لحظيًا إلى تطبيق على الهاتف الذكي، مما يتيح للمريض والطبيب متابعة الحالة عن كثب.

هذه الإمكانيات تفتح آفاقًا واسعة تتجاوز مجرد المراقبة. يمكن ربط الجهاز مستقبلاً بأجهزة روبوتية لمساعدة كبار السن على المشي، أو استخدام بياناته الدقيقة لتدريب خوارزميات تعلم آلي قادرة على التنبؤ بالسقوط قبل حدوثه. حتى الرياضيون المحترفون يمكنهم الاستفادة منه لتحليل أدائهم الحركي بدقة غير مسبوقة.

وقد نشر الفريق نتائج دراستهم الواعدة، التي تمولها مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، على غلاف عدد أغسطس من المجلة العلمية المرموقة ACS Applied Materials & Interfaces. وبعد نجاح الاختبارات على أشخاص أصحاء، يتطلع الفريق الآن لتوسيع التجارب لتشمل المرضى أنفسهم.

يختتم البروفيسور يو حديثه بنبرة مليئة بالأمل: “أسعى لسد الفجوة بين الأجهزة الطبية المعقدة في المستشفيات، والأبحاث التي تبقى حبيسة المختبرات. نريد أن تكون هذه الحلول متاحة اليوم، وليس بعد عشر سنوات”. فهل نشهد قريبًا هذه التقنية البسيطة وهي ترسم خطوات أكثر أمانًا وثقة لملايين المرضى في عالمنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *