اليابان تترقب: رئيس الوزراء إيشيبا يقرر الاستقالة لتفادي انقسام الحزب الحاكم

على وقع أزمة سياسية متصاعدة، أعلنت هيئة الإذاعة اليابانية “NHK” يوم الأحد عن قرار رئيس الوزراء شيجيرو إيشيبا الاستقالة من منصبه. جاء هذا القرار الحاسم قبل يوم واحد فقط من تصويت برلماني قد يحدد مصيره السياسي، وذلك في محاولة واضحة منه لتجنيب الحزب الحاكم انقسامات داخلية حادة كانت تلوح في الأفق.
وكانت الأوساط السياسية تترقب بشغف موعد التصويت المقرر يوم الاثنين، والذي كان سيحدد إمكانية إجراء انتخابات استثنائية تهدد بإنهاء ولاية إيشيبا على رأس الحكومة اليابانية. هذا التصويت كان ليضع رئيس الوزراء تحت ضغط كبير، خاصة بعد تزايد المطالبات برحيله.
أزمة تتفاقم وضغوط متزايدة
ولم يكن قرار إيشيبا بالاستقالة سهلاً، فقد سبق أن رفض دعوات متكررة من داخل حزبه الديمقراطي الحر للتنحي، بعد تحميله مسؤولية خسارة الحزب المؤلمة في انتخابات مجلس المستشارين، المجلس الأعلى في البرلمان، والتي جرت في يوليو الماضي. لكن رياح التغيير باتت أقوى من قدرته على المقاومة.
تفاقمت الضغوط على إيشيبا بشكل كبير بعد أن فقد ائتلافه الحاكم الأغلبية في مجلسي البرلمان، مما جعله في موقف حرج يحتاج فيه إلى دعم أحزاب المعارضة لتمرير أي تشريعات حكومية. هذا الوضع أضعف موقفه التفاوضي وجعله عرضة للابتزاز السياسي.
وبالفعل، رفضت أحزاب المعارضة تقديم أي شكل من أشكال الدعم لإيشيبا قبل التصويت المرتقب، خشية أن يرتبط اسمها برئيس وزراء لا يتمتع بشعبية كبيرة بين الشارع الياباني. حتى أن بعض أعضاء حكومة إيشيبا نفسها طالبوا بضرورة اختيار زعيم جديد للحزب، الأمر الذي يعكس حجم الأزمة الداخلية.
وفي محاولة أخيرة لإظهار ثقته، صرح إيشيبا للصحافيين يوم الجمعة الماضي بأنه يعتزم إعداد حزمة من الإجراءات لدعم الاقتصاد الياباني خلال الخريف. وعند سؤاله عن إمكانية تنحيه، اكتفى بالقول: “كل ما يمكنني قوله هو أن حكومتي ستفي بمسؤولياتها تجاه الشعب”، متهربًا بذلك من الإجابة المباشرة.
توقعات الخبراء ومستقبل غامض
ولم تكن الأجواء العامة تبشر بالخير لإيشيبا، فقد توقعت مجموعة “أوراسيا” المتخصصة في تحليل المخاطر السياسية، بنسبة 60%، عدم بقائه في منصبه. هذه التوقعات عكست حجم التحديات التي كان يواجهها رئيس الوزراء المستقيل.
وفي هذا الصدد، أوضح ديفيد بولينج، مدير اليابان والتجارة الآسيوية في “أوراسيا”، أن أداء إيشيبا الضعيف كزعيم للحزب في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، بالإضافة إلى الأحداث الأخيرة التي شهدت إعلان رئيس الوزراء السابق آسو تارو دعمه للانتخابات الخاصة، قد “قلبت الموازين ضده” بشكل لا رجعة فيه.
سباق الخلافة: من يقود اليابان؟
رغم أن الحزب الليبرالي الديمقراطي يفتقر إلى الأغلبية في البرلمان حالياً، إلا أن زعيمه القادم سيظل المرشح الأوفر حظاً لتولي منصب رئيس الوزراء في اليابان. يعود ذلك بشكل أساسي إلى حالة الانقسام التي تعيشها أحزاب المعارضة، والتي لا تمكنها من تشكيل جبهة موحدة.
ويشير المحللون إلى أن اختيار الزعيم الجديد للحزب الحاكم لن يؤثر فقط على حجم التحفيز المالي الذي ستقدمه الحكومة، بل سيمتد تأثيره ليشمل توقيت قرار بنك اليابان المركزي القادم برفع أسعار الفائدة. فالسياسة الاقتصادية ستكون على المحك.
ومن أبرز الأسماء المطروحة لخلافة إيشيبا يأتي شينجيرو كويزومي، وزير الزراعة البالغ من العمر 44 عاماً. يتمتع كويزومي بشعبية واسعة بين الجماهير، لكن آراءه بشأن السياسة الاقتصادية لا تزال غير واضحة المعالم، مما يثير بعض التساؤلات.
كما يرى بعض المحللين أن سانا تاكايشي، التي تمثل الجناح اليميني في الحزب الليبرالي الديمقراطي، تعتبر مرشحة قوية لتصبح أول رئيسة وزراء لليابان. هذا الاحتمال يفتح الباب أمام تحول تاريخي في المشهد السياسي الياباني.
وفي حين يُتوقع تنافس العديد من المرشحين الآخرين على هذا المنصب الرفيع، تتميز تاكايشي بموقفها الصريح المعارض لرفع أسعار الفائدة من قبل بنك اليابان المركزي. كما أنها تدعو بقوة إلى زيادة الإنفاق الحكومي لدعم الاقتصاد الهش في البلاد، مما يجعلها شخصية ذات رؤية اقتصادية واضحة.
تأتي هذه التطورات في وقت حساس، فبعد إنهاء برنامج تحفيز ضخم استمر عقداً من الزمان العام الماضي، رفع بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة إلى 0.5% في يناير. جاء هذا القرار بناءً على اعتقاد البنك بأن اليابان على وشك تحقيق هدف التضخم البالغ 2% بشكل مستدام.
ويتوقع معظم الاقتصاديين الذين استطلعت “رويترز” آراءهم، أن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة مرة أخرى هذا العام، مع مراهنة البعض على أن هذا الرفع قد يتم في شهر أكتوبر المقبل، مما يزيد من ترقب الأوساط المالية.









