الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تُهدد ميكروبيوم الأمعاء: تحولات مقلقة ونداء للتحرك

في تطور علمي يثير القلق، أشارت تجارب معملية حديثة إلى أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، التي باتت جزءًا لا يتجزأ من بيئتنا ووصلت إلى أمعاء الإنسان، قد تُحدث تغييرات سلبية خطيرة في ميكروبيوم الأمعاء الحيوي. هذه الاكتشافات تدق ناقوس الخطر بشأن التأثيرات الخفية للتلوث البلاستيكي على صحة الجهاز الهضمي لدينا، وربما ما هو أبعد من ذلك.
البلاستيك في أجسادنا: اكتشافات مقلقة
لم يعد وجود البلاستيك في حياتنا مجرد مشكلة بيئية خارجية، بل أصبح واقعًا داخليًا يلامس أجسادنا. فقد كشفت دراسات سابقة عن وجود هذه الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في عينات البراز وحتى في خزعات القولون لنسبة ليست بالقليلة من المتطوعين، مما يؤكد تغلغلها العميق في نظامنا البيولوجي.
هذا التغلغل دفع الباحثين إلى التساؤل عن مدى تأثيرها على ميكروبيوم الأمعاء، وهو مجتمع البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تعيش في أمعائنا وتلعب دورًا محوريًا في وظائف الجسم الأساسية، من الهضم وامتصاص الغذاء إلى دعم المناعة وحتى التأثير على المزاج والصحة النفسية.
رحلة معملية تكشف المستور: تأثيرات على بكتيريا الأمعاء
في خطوة متقدمة، استخدمت دراسة قُدمت مؤخرًا في مؤتمر الجمعية الأوروبية لأمراض الجهاز الهضمي ببرلين، عينات براز من خمسة متطوعين أصحاء. قام الباحثون بزراعة البكتيريا المعوية في المختبر، ثم قاموا بتعريضها لخمسة أنواع شائعة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، بتركيزات تحاكي ما قد يتعرض له الإنسان في حياته اليومية.
وعلى الرغم من أن العدد الإجمالي للبكتيريا لم يتغير بشكل كبير في غالب الأحيان، إلا أن النتائج كانت مفاجئة ومثيرة للقلق. فقد أظهرت مزارع البكتيريا التي تعرضت للجسيمات البلاستيكية الدقيقة انخفاضًا ملحوظًا في مستويات الحموضة (pH)، وهو ما يشير إلى تغيرات في نشاط العمليات الحيوية التي تقوم بها البكتيريا لتحويل المواد الغذائية إلى طاقة أو مركبات مفيدة.
تحولات في التركيب والوظائف الحيوية
الأكثر إثارة للقلق هو ما لاحظه الباحثون من تحولات واضحة في تركيب مجتمعات البكتيريا، حيث زادت أو انخفضت مجموعات معينة من البكتيريا حسب نوع البلاستيك الذي تعرضت له. هذه التحولات لم تكن مجرد تغييرات شكلية، بل صاحبتها تغيرات في إنتاج المواد الكيميائية الحيوية التي تغذي الخلايا المعوية وتساعد في هضم الطعام وامتصاص الأدوية، بل وتؤثر بشكل مباشر على المزاج ووظائف الدماغ.
وما يزيد الأمر تعقيدًا هو أن بعض هذه التغيرات في ميكروبات الأمعاء، التي تسببت فيها الجسيمات البلاستيكية الدقيقة داخل أنابيب الاختبار، كانت مشابهة للتغيرات التي تُلاحظ في حالات صحية خطيرة مثل الاكتئاب وسرطان القولون والمستقيم وأمراض أخرى متعددة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جادة حول التأثيرات الصحية طويلة المدى.
دعوة للتحرك: تقليل التعرض ضرورة وقائية
حتى الآن، لا يعرف الباحثون بدقة الآلية التي تُحدث بها الجسيمات البلاستيكية الدقيقة هذه التأثيرات المعقدة. كما أن الدراسة لم تتناول الآثار طويلة الأمد للتعرض لهذه الجسيمات، ولم تأخذ في الاعتبار عوامل إضافية هامة مثل النظام الغذائي أو الاستجابة المناعية للفرد، مما يستدعي المزيد من البحث والتحليل.
وفي تعليق له، قال كريستيان باشر-دويتش، قائد فريق الدراسة من جامعة جراتس الطبية بالنمسا: “الخلاصة هي أن للجسيمات البلاستيكية الدقيقة تأثيرًا واضحًا على ميكروبات الأمعاء”. وأضاف: “في حين أنه من السابق لأوانه إصدار أحكام صحية نهائية، فإن الميكروبيوم يلعب دورًا محوريًا في العديد من الوظائف الحيوية للجسم، من الهضم إلى الصحة النفسية. لذلك، يعد تقليل التعرض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، قدر الإمكان، إجراء احترازيًا مهمًا للغاية لحماية صحتنا ومستقبل أجيالنا”.










