أزمة الكتاب المدرسي في ليبيا: النيابة تحبس وزير التعليم والفساد يهدد مستقبل مليوني طالب
تحقيق يكشف المستور.. كيف أطاحت عقود طباعة الكتب بوزير التعليم الليبي وأدخلته السجن؟

في تطور لافت يعكس عمق أزمة الكتاب المدرسي في ليبيا، أمرت النيابة العامة بحبس وزير التربية والتعليم المكلّف في حكومة الوحدة الوطنية، على ذمة التحقيق في تهم تتعلق بالإهمال والإضرار بالمال العام. يأتي القرار كخطوة تصعيدية في ملف ظل يراوح مكانه لسنوات، مهددًا مستقبل ما يقرب من مليوني طالب.
أعلن مكتب النائب العام الليبي أن قرار الحبس شمل أيضًا مدير عام مركز المناهج التعليمية والبحوث التربوية، وذلك بعد تحقيقات موسعة كشفت عن وجود مخالفات جسيمة. ووجهت النيابة للمسؤولين تهمًا مباشرة تتعلق بـالإهمال الإداري وسوء التصرف في العقود المبرمة لطباعة وتوريد الكتب للعام الدراسي 2025/2026.
تفاصيل التحقيق.. إضرار بالمصلحة العامة
وأوضح بيان النيابة أن التحقيقات أظهرت “أنماطًا من إساءة التصرف الإداري والمالي” في إجراءات التعاقد، مما أدى إلى فشل الوزارة في توفير الكتب المدرسية في المواعيد المحددة. واعتبرت النيابة أن هذا التأخير المتعمد يرقى إلى مستوى الإضرار بالمصلحة العامة، ويمثل إخلالًا مباشرًا بحق الطلاب الدستوري في التعليم.
على أرض الواقع، تسببت هذه الأزمة، التي تتكرر للعام الثالث على التوالي، في حالة من الشلل أصابت العملية التعليمية. فمع مرور أكثر من شهر على الموعد الرسمي لبدء الدراسة، لا يزال آلاف الطلاب ينتظرون كتبهم، وسط حالة من الغضب والاستياء بين أولياء الأمور والكوادر التعليمية الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة فصول دراسية فارغة من أبسط مقوماتها.
إدانة حقوقية ومسؤولية مباشرة
لم يقتصر الأمر على الإجراءات القضائية، بل دخلت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان على الخط، معبرةً عن “قلقها البالغ” إزاء استمرار الأزمة. وحمّلت المؤسسة في بيان رسمي وزارة التعليم في حكومة الوحدة الوطنية المسؤولية الكاملة، مشيرةً إلى فشلها في إبرام عقود الطباعة مبكرًا، مما أدى إلى إرباك العام الدراسي بأكمله.
إن قرار حبس مسؤول بحجم وزير التعليم لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الفساد المستشري الذي يعيق عمل مؤسسات الدولة الليبية. فالأزمة لا تتعلق بمجرد تأخير إداري، بل تكشف عن خلل هيكلي في إدارة الموارد العامة، حيث تُخصص ميزانية ضخمة للتعليم تُقدر بنحو 6 مليارات دينار ليبي سنويًا، بينما يعجز النظام عن توفير أبسط حقوق الطلاب. هذا التحرك القضائي، وإن كان خطوة نادرة نحو المحاسبة، يطرح تساؤلات أعمق حول شبكات المصالح التي تستفيد من تعثر المشاريع العامة، وحول قدرة القضاء على تفكيكها في ظل الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد.
يأتي هذا التصعيد القضائي ليضع ملف فساد قطاع التعليم تحت المجهر، في وقت يواجه فيه أكثر من 1.7 مليون طالب في نحو 6 آلاف مؤسسة تعليمية مصيرًا مجهولًا. ويبقى نجاح هذه الخطوة في تحقيق العدالة وإعادة الانضباط للقطاع مرهونًا باستمرارية الضغط القضائي والشعبي، لضمان ألا تتحول أزمة الكتاب المدرسي إلى مجرد قضية عابرة تتكرر كل عام دون حلول جذرية.









