عرب وعالم

توترات الخليج: تصعيد أمريكي ومساعٍ إقليمية لنزع فتيل الأزمة

جهود دبلوماسية مكثفة لتفادي مواجهة عسكرية محتملة بين واشنطن وطهران

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا أمريكيًا غير مسبوق، تزامنًا مع وصول حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» والمدمرة «ديلبرت دي بلاك» إلى مياه المنطقة. هذه التحركات العسكرية تأتي في وقت تتسارع فيه جهود دول عربية وإقليمية لدفع واشنطن وطهران نحو طاولة التفاوض، سعيًا لتجنب خيار عسكري محتمل.

تبذل عدة عواصم إقليمية مساعي حثيثة لتهدئة الأوضاع. مصر والسعودية وتركيا وقطر وعُمان، كثفت تحركاتها الدبلوماسية خلال الأيام الماضية. الهدف المعلن هو تغليب لغة الحوار ونزع فتيل الأزمة، التي يخشى مراقبون أن تؤدي إلى حرب مدمرة لا تقتصر تداعياتها على إيران، بل قد تمتد لتشمل دول الخليج والممرات التجارية الدولية، وربما دول إقليمية أخرى مثل تركيا.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد حدد مطلبين رئيسيين لمنع توجيه ضربة محتملة. الأول يتعلق بوقف إيران إعدام المتظاهرين، والثاني بوقف برنامجها النووي بشكل نهائي. لكن تقارير صحفية أمريكية كشفت عن قائمة أوسع من الشروط الأمريكية.

تضمنت هذه الشروط وقفًا دائمًا لتخصيب اليورانيوم، ونقل المخزون المخصب إلى بلد ثالث، أو وضعه تحت رقابة دولية صارمة. كما طالبت واشنطن بالسماح غير المشروط للمفتشين الدوليين بالتفتيش على المنشآت الإيرانية في أي وقت. شملت المطالب أيضًا وقف دعم إيران للجماعات الحليفة لها في الشرق الأوسط، والقضاء على الصواريخ الباليستية طويلة المدى التي تعتبرها الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي والإقليمي. إضافة إلى ذلك، دعت واشنطن إلى وضع قيود صارمة على إنتاج وتصدير الطائرات بدون طيار.

في المقابل، تتمسك طهران بمبادئها التفاوضية. أعلنت رفضها الدخول في مفاوضات تحت ضغط، أو الموافقة على نتائج محددة مسبقًا من الجانب الأمريكي. كما ترفض التخلي عن تخصيب اليورانيوم محليًا، وترفض التفاوض على قيود قد تُفرض على برنامجها النووي. هذا الموقف يتعارض بشكل مباشر مع رغبة الولايات المتحدة في اتفاق نهائي يوقف تخصيب اليورانيوم ويفرض قيودًا على الصواريخ الباليستية.

تصاعد التوترات دفع القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية في مضيق هرمز. التدريبات مقررة يومي الأحد والإثنين الأول والثاني من فبراير المقبل، وتأتي لرفع مستوى الجاهزية القتالية واختبار قدرات الردع البحري، بالتزامن مع التهديدات الأمريكية الأخيرة.

لوحت طهران أيضًا بإغلاق المضيق أمام التجارة الدولية. هذا القرار يحمل في طياته إمكانية إشعال صراع إقليمي ودولي واسع، نظرًا لأن الممر المائي الاستراتيجي يمثل شريانًا حيويًا لاقتصاد الطاقة العالمي. يمر عبره أكثر من 20% من إجمالي صادرات النفط والغاز المتجهة من دول الخليج إلى الدول الأوروبية، وفق تقارير دولية.

يرى خبراء أن استهداف الاقتصاد العالمي عبر المضيق قد يكون أحد أكثر الخيارات فعالية لإيران، لكنه أيضًا الأكثر خطورة بسبب تأثيره واسع النطاق. لم تكتفِ إيران بذلك، بل وجهت تهديدات مباشرة عبر كبار مسؤوليها.

علي شمخاني، كبير مستشاري المرشد الإيراني، كتب في تدوينة له على منصة إكس، أن «فكرة الضربة المحدودة مجرد وهم». وأكد أن أي عمل عسكري أمريكي، من أي مصدر وعلى أي مستوى، سيُعتبر عملًا حربيًا وسيُقابل برد فوري وشامل وغير مسبوق. هذا الرد، بحسب شمخاني، سيستهدف قلب تل أبيب وكل من يدعم المعتدي، إضافة إلى استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة.

من جانبه، أكد المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، أن بلاده سترد فورًا في حال مهاجمتها. شدد على أن عددًا من القواعد الأمريكية في المنطقة في مرمى الصواريخ الإيرانية، وأن الرد سيكون حاسمًا وفوريًا. أشار أكرمي نيا إلى مكامن ضعف كبيرة تتعلق بناقلات الطائرات الأميركية.

أضاف العميد أكرمي نيا أن بلاده قادرة على استهداف القواعد الأمريكية باستخدام أسلحة شبه ثقيلة وطائرات مسيرة وصواريخ. حذر من أن أي مواجهة لن تكون محدودة أو سريعة، بل ستتسع لتشمل كامل منطقة غرب آسيا، من إسرائيل إلى دول تضم قواعد أمريكية.

بدوره، قال النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف: «يجب أن نكون مستعدين للحرب، إيران لا تشعل حربًا أبدًا، لكنها إذا فُرضت عليها، فسوف تدافع عن نفسها بقوة». أكد عارف أن بلاده جاهزة للتفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها تحتاج هذه المرة ضمانات واضحة.

كما أعلن الجيش الإيراني، وفق وكالة تنسيم الإيرانية، أنه زود قواته بألف طائرة مسيرة من أنواع مختلفة. أشار إلى أن تصميم هذه الطائرات يتناسب مع التهديدات الحديثة وتجارب حرب الأيام الاثني عشر التي خاضتها إيران مع إسرائيل في يونيو الماضي. تم تصنيع هذه الطائرات على أيدي خبراء الجيش، وهي مصنفة ضمن فئات تدميرية، وهجومية، واستطلاعية، وحرب إلكترونية، ومصممة لتدمير أهداف ثابتة ومتحركة محددة في البحر والجو والبر.

elaosboa78504

في خضم هذه التطورات، طرحت تركيا مبادرة للوساطة بين الجانبين لمنع اندلاع أزمة كبرى. الرئيس رجب طيب أردوغان أكد في مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، استعداد بلاده الكامل للعب دور الوسيط وحل الخلاف بين واشنطن وطهران.

توجه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى أنقرة في زيارة تحمل أهدافًا متعددة. في مقدمتها توظيف الدور التركي كقناة تواصل غير مباشرة مع واشنطن. تسعى طهران لإيصال رسائل تؤكد أنها لا ترفض الحلول السياسية طالما كانت عادلة ولا تمس أمن واستقرار البلاد.

الوزير الإيراني قال إن طهران لديها الاستعداد للتفاوض إن كانت قائمة على العدل والاحترام المتبادل، مع التشديد على حماية بلاده واستقرار أراضيها من أي تهديد خارجي.

من جانبه، أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الإيراني، أن حل المشكلات الداخلية في إيران يعود لها بعيدًا عن أي تدخلات خارجية. دعا فيدان الطرفين للجلوس إلى طاولة المفاوضات وحل الخلاف بعيدًا عن الخيار العسكري. أعلن رفضه للتدخل العسكري في إيران، مشيرًا إلى أن الخيارات العسكرية لم تعد تجدي نفعًا في المنطقة. فضل فيدان خيار المفاوضات لخفض التوترات.

على صعيد السيناريوهات المحتملة، وضعت صحف أمريكية تصورات لضربة أمريكية ضد إيران وأهدافها. أكدت معظم التقارير الإعلامية أن الولايات المتحدة قررت ضرب إيران بضربة كبيرة لكنها خاطفة. الهدف المعلن هو تدمير ما تبقى من المنشآت النووية ومصانع الصواريخ والمسيرات.

أشارت هذه التقارير إلى أن من بين الأهداف تدمير مقار لقيادات الحرس الثوري ومراكز صنع القرار. بينما ذهبت بعض وسائل الإعلام الأخرى إلى أن الحشد العسكري غير المسبوق في منطقة الشرق الأوسط جاء لإسقاط النظام الإيراني واستبداله بنظام مدني آخر، مرشح لقيادته رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق.

سيناريو آخر اقترح تنفيذ ضربات عسكرية وسيبرانية شاملة لإحداث فوضى عارمة داخل الجمهورية الإسلامية. هذا السيناريو يتضمن دعم مجموعات معارضة لها داخل الشارع الإيراني لتنفيذ الأهداف والشروط والاشتراطات الأمريكية.

مقالات ذات صلة