اقتصاد

المعادن النادرة.. كنوز البرازيل ترسم ملامح تحالف استراتيجي مع واشنطن

في مواجهة هيمنة الصين، كيف يمكن لشراكة أمريكية برازيلية في المعادن النادرة أن تغير خريطة الموارد العالمية؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في قلب التجاذبات الجيوسياسية العالمية، تبرز كنوز البرازيل من المعادن النادرة كورقة استراتيجية قد تعيد تشكيل التحالفات الدولية. وبينما تسعى واشنطن لكسر هيمنة الصين على سلاسل التوريد الحيوية، تبدو برازيليا شريكًا لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة المعقدة.

يأتي هذا التحول في وقت حوّلت فيه الصين سيطرتها شبه الكاملة على سوق المعادن الأرضية النادرة إلى سلاح في حربها التجارية مع واشنطن. فرض بكين قيودًا على صادرات مكونات لا غنى عنها في صناعات تمتد من أشباه الموصلات إلى الأنظمة الدفاعية، فتح الباب على مصراعيه أمام منتجين بدلاء مثل البرازيل وأستراليا والهند.

ورغم أن الولايات المتحدة لديها خطة طموحة لإعادة بناء قطاع التعدين المحلي، تدرك واشنطن أنها بحاجة ماسة لدعم حلفائها لتحدي النفوذ الصيني. وهنا، تظهر البرازيل كلاعب محوري؛ فهي قوة تعدين عالمية، وقريبة جغرافيًا، والأهم من ذلك، أنها تمتلك ثاني أكبر احتياطي من المعادن النادرة في العالم بعد الصين، بعد اكتشافات تاريخية لرواسب ضخمة من خام الحديد في مناطق نائية مثل غابات الأمازون المطيرة.

فرصة برازيلية مؤجلة

لعقود، ظل الحديث في برازيليا عن استراتيجية وطنية للمعادن الحيوية مجرد حبر على ورق. لكن التحالف مع الولايات المتحدة، أكبر مستثمر أجنبي في البلاد، قد يوفر الزخم المطلوب عبر مشاريع مشتركة واتفاقيات شراء وتمويل تمنح هذه الصناعة الوليدة قبلة الحياة.

يمكن للرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أن يستخدم ورقة المعادن النادرة للمساومة على إزالة الرسوم الجمركية العقابية التي قد يفرضها دونالد ترمب. صفقة كهذه يمكن للطرفين تسويقها كنصر سياسي، خاصة بالنظر إلى أبعادها المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي.

لكن على الزعيم اليساري التعامل مع الأمر بحذر شديد. فالحزب الحاكم، الذي ينظر بعين الريبة لأي نفوذ أمريكي، لن يقبل بترتيبات تُشتم منها رائحة الاستغلال. ولتجاوز ذلك، يمكن أن يطالب لولا بتطوير قدرات محلية للتكرير وإنتاج المغناطيسات، وهو ما يتماشى مع طموحات حكومته الصناعية.

احتياطي ضخم وإنتاج متواضع

بالنسبة لواشنطن، أي سلسلة توريد إضافية تكسر احتكار الصين تُعد مكسبًا، حتى لو كانت خارج أراضيها. وفي المقابل، يمنح التعاون مع الولايات المتحدة البرازيل الحوافز اللازمة لإطلاق صناعتها. فعلى الرغم من احتياطياتها الهائلة، لا يزال إنتاج البرازيل من المعادن النادرة شبه منعدم.

يقول فرناندو لاندغراف، خبير المعادن في جامعة ساو باولو: “نحن متأخرون في قطاع أصبح في قلب صراع عالمي. الصين تغلق سوقها، والولايات المتحدة تضخ استثمارات ضخمة محليًا… سيكون مثيرًا للاهتمام أن تبدي واشنطن اهتمامًا بمشروع مشترك للتكرير في البرازيل يضيف قيمة اقتصادية هنا”.

النيوبيوم.. قصة نجاح برازيلية

وتقدم البرازيل نموذجًا ناجحًا في معدن النيوبيوم، حيث تستحوذ على 90% من الإنتاج العالمي. هذا المعدن الحيوي لصناعة سبائك الصلب المتطورة تهيمن عليه شركة برازيلية خاصة واحدة، “سي بي إم إم”، مما يؤكد الإمكانات الهائلة للبلاد في هذه الصناعات الاستراتيجية.

بالطبع، دبلوماسية المعادن ليست سوى ملف واحد على أجندة ثنائية معقدة ومليئة بالقضايا الخلافية، من الوضع في فنزويلا إلى سياسة برازيليا تجاه شركات التكنولوجيا. لكن الفرصة تبدو سانحة، ليس انطلاقًا من تقارب أيديولوجي بين ترمب ولولا، بل لأنه تحالف تفرضه المصالح التجارية والضرورات الاستراتيجية البحتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *