صحة

القاتل الصامت في الهواء.. كيف يعبر غبار الحرائق الرئتين ليدمر قلوب وأدمغة الملايين؟

دراسات حديثة تكشف غياب أي حد آمن لاستنشاق الجسيمات الدقيقة وتحذر من جلطات دماغية مفاجئة

صحفي في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، يتابع التطورات الطبية ويعرضها بشكل موضوعي

حذر علماء في جامعة إيموري الأمريكية من أن دخان الحرائق ليس مجرد خطر تنفسي مؤقت، بل هو تهديد غير مرئي يهاجم الجسم البشري بأكمله مسببًا إجهادًا تأكسديًا يعجل بالإصابة بالأمراض المزمنة. وأوضح عالم الصحة البيئية يانغ ليو من الجامعة نفسها، في تصريحات لشبكة دويتشه فيله، أن أنظمة الجسم البشري تتأثر بالكامل بهذا الدخان الذي يتجاوز تأثيره الرئتين بكثير.

سموم تخترق مجرى الدم

الخطر الحقيقي يكمن في جزيئات مجهرية تُعرف باسم الجسيمات الدقيقة (PM2.5). وكشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة القلب الأوروبية أن التعرض الطويل لهذه الجسيمات يزيد من خطر الإصابة بـ جلطات دماغية لدى كبار السن، حيث تمتلك هذه الجسيمات القدرة على العبور من الرئتين مباشرة إلى مجرى الدم. هذا السلوك البيولوجي يتطابق مع ما تحذر منه وزارة الصحة المصرية عادة خلال موجات رياح الخماسين الترابية، حيث تخترق الأتربة الناعمة الدفاعات الطبيعية للجهاز التنفسي لتشكل خطرًا مباشرًا على القلب والأوعية الدموية.

وعندما تلتهم الحرائق المناطق السكنية، فإن الدخان لا يحمل فقط بقايا النباتات المحترقة بل خليطًا شديد السمية. وأشار أوبري ميلر، خبير الكوارث البيئية في المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة، إلى أن المواد المحترقة تشمل البلاستيك والمعادن الثقيلة والزرنيخ، مما يخلق مخاطر تمتد لمئات الأميال بعيدًا عن موقع الحريق.

حصيلة وفيات مرعبة

أرقام الوفيات الناتجة عن استنشاق هذا الدخان على المدى الطويل تبدو مرعبة؛ إذ قدرت دراسة نُشرت في مجلة “Science Advances” أن التعرض المزمن لدخان الحرائق تسبب في أكثر من 24,100 حالة من الوفيات سنويًا في الولايات المتحدة بين عامي 2006 و2020. وأكدت الباحثة الرئيسية مين تشانغ، أخصائية الأوبئة البيئية في كلية إيكان للطب في نيويورك، لوكالة فرانس برس، عدم وجود أي حد آمن للتعرض الطويل لدخان الحرائق.

هذه الكارثة البيئية لا تتوقف عند الفاتورة الصحية بل تمتد للاقتصاد العالمي؛ حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تلوث الهواء، الذي يشكل دخان الحرائق أحد أبرز مصادره المتصاعدة، يكلف الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات سنويًا نتيجة تراجع الإنتاجية وزيادة الإنفاق على الرعاية الطبية.

وفي سياق متصل، توقع عالم الاقتصاد البيئي بجامعة ستانفورد، مارشال بيرك، في دراسة نشرتها مجلة “Nature”، تسجيل 1.9 مليون حالة وفاة إضافية بسبب جسيمات دخان الحرائق بين عامي 2026 و2055، مؤكدًا أن الفئات الأكثر عرضة للخطر تشمل الحوامل، والأطفال في المدارس، ومرضى السرطان.

كيف تحمي نفسك؟

طرق الوقاية التقليدية قد لا تكون كافية لمواجهة هذه الجسيمات؛ فبينما ينصح الخبراء بالبقاء في أماكن مغلقة جيدة التهوية، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الكمامات الجراحية العادية لا تفيد في تصفية الجسيمات الدقيقة، وأن الأقنعة المتخصصة مثل “N95” هي الوسيلة الفعالة الوحيدة لحماية الأفراد عند الاضطرار للتواجد في الهواء الطلق.

وتظهر بيانات المركز الوطني الأمريكي للتنسيق بين الوكالات للحرائق أن أكثر من 3.8 مليون فدان قد احترقت بالفعل هذا العام، وهو معدل يتجاوز ضعف المساحات التي كانت تحترق قبل ثلاثة عقود. ويرتبط التعرض لهذا الدخان أثناء الحمل بمخاطر الولادة المبكرة ونقص وزن المواليد، فضلاً عن ارتباطه على المدى الطويل ببعض أنواع السرطان.

مقالات ذات صلة