الحصبة تكسر حاجز الـ 35 عاماً في أمريكا.. “نقطة سوداء” تعيد المرض المنسي للواجهة
رقم قياسي للإصابات يتجاوز مستويات التسعينات

تجاوزت إصابات الحصبة في الولايات المتحدة رقماً قياسياً مرعباً لم يشهده الأمريكيون منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث أعلنت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن عدد الحالات المسجلة رسمياً وصل إلى 2295 إصابة حتى تاريخ 21 يوليو 2026. هذا الرقم يتخطى إجمالي إصابات عام 2025 بالكامل، ويعيد الأذهان إلى عام 1991 حينما سجلت البلاد أكثر من 9 آلاف حالة قبل أن يتم السيطرة على المرض لاحقاً.
ويليام موس، خبير الأوبئة في مدرسة جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة، وصف هذا التطور بأنه “نقطة سوداء” كان يمكن تجنبها تماماً، مشيراً إلى أن المأساة تكمن في تخطي أرقام العام الماضي ونحن لا نزال في منتصف العام الحالي. الحصبة ليست مجرد طفح جلدي بسيط، بل هي فيروس شديد الشراسة ينتقل عبر الهواء، ويمكن للفيروس أن يظل حياً ومعلقاً في هواء الغرفة لمدة تصل إلى ساعتين حتى بعد مغادرة الشخص المصاب للمكان، وهو ما يفسر سرعة انتشاره الجنونية.
خطر يتجاوز السخونية والرشح
تنتقل العدوى من الشخص المصاب إلى 18 شخصاً آخرين في المتوسط، وهو معدل انتشار يفوق بكثير فيروسات الإنفلونزا العادية أو حتى كورونا، بحسب بيانات فريق التتبع في جامعة جونز هوبكنز. وتبدأ الأعراض عادة بارتفاع شديد في درجة الحرارة وسعال، لكن العلامة المميزة التي تسبق الطفح الجلدي هي ظهور بقع بيضاء صغيرة داخل الفم تُعرف طبياً باسم “بقع كوبليك”، وهو ما قد يغفل عنه الكثير من الأهالي في البداية.
المشكلة الحقيقية لا تتوقف عند الشفاء من المرض، بل فيما تتركه الحصبة من أثر مدمر على جهاز المناعة. جيسيكا ستاير، مؤسسة منصة Unbiased Science، أوضحت أن الفيروس يسبب ما يسمى بـ “فقدان الذاكرة المناعي”، حيث يمسح الفيروس ذاكرة الخلايا المناعية التي كونها الجسم ضد أمراض أخرى سابقة، مما يجعل الطفل عرضة لأي عدوى بسيطة وكأنه لم يكتسب مناعة في حياته قط، وقد يحتاج الجسم لسنوات لاستعادة هذه الدفاعات.
أزمة ثقة تهدد الأطفال
رغم أن الولايات المتحدة أعلنت القضاء على الحصبة في عام 2000، إلا أن التراجع الحالي يعود بشكل أساسي إلى انخفاض معدلات التطعيم. اللقاح المتوفر حالياً (MMR) يُعطى عادة على جرعتين، الأولى بين عمر 12 إلى 15 شهراً والثانية بين 4 إلى 6 سنوات، لضمان حماية تصل إلى 97%، لكن المخاوف غير المبررة من الآثار الجانبية دفعت البعض للتخلي عن هذه الحماية.
تؤكد جيسيكا ستاير أن إهمال اللقاح أدى لوجود فجوات مناعية في مجتمعات معينة، مشيرة إلى أن 20% فقط من الحالات المسجلة هي لأطفال دون سن الخامسة، بينما يتوزع باقي المصابين بين أطفال أكبر سناً وبالغين تجاوزوا العشرين. الحصبة يمكن أن تتطور لمضاعفات خطيرة مثل التهاب الرئة أو حتى التهاب الدماغ الذي قد يؤدي لإعاقات دائمة، وهي مخاطر تفوق بمراحل أي أثر جانبي نادر قد يسببه اللقاح.
الخبراء في مجال الصحة العامة يرون أن نجاح برامج التطعيم في الماضي جعل الناس ينسون بشاعة المرض وقوته، مما أدى لحالة من التراخي. ويشير ويليام موس إلى أن التحدي الآن ليس في توفير اللقاح، بل في إقناع الناس بجدواه مرة أخرى، خاصة مع انتشار المعلومات المغلوطة التي تربط بينه وبين أمراض أخرى، وهو ما نفته الدراسات العلمية الرصينة مراراً وتكراراً.











