اقتصاد

صعود أسعار الذهب ينعش اقتصادات الأسواق الناشئة

تحليل: كيف يعيد المعدن الأصفر رسم خريطة الاستثمار في جنوب أفريقيا وغانا ودول أخرى

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

في تحول لافت، يعيد الارتفاع المستمر في أسعار الذهب رسم الخريطة الاقتصادية لعدد من الأسواق الناشئة، مانحًا إياها دفعة قوية لتعزيز النمو واستعادة ثقة المستثمرين. هذا الصعود لا يقتصر على كونه مكسبًا ماليًا، بل يمثل نقطة تحول استراتيجية لهذه الدول التي تستفيد من إنتاجه وشرائه على حد سواء.

تتجلى هذه الصورة بوضوح في جنوب أفريقيا، التي تحتضن أعمق مناجم الذهب عالميًا، حيث تتجه أسهمها نحو تحقيق أفضل أداء سنوي منذ عقدين. فقد تضاعفت قيمة أسهم عمالقة التعدين مثل “سيبانيا ستيلووتر” و”أنغلو غولد أشانتي” و”غولد فيلدز” ثلاث مرات، مما يعكس تحولًا دراماتيكيًا لدولة عانت طويلًا من صعوبة جذب الاستثمارات بسبب الاضطرابات السياسية وأزمة انقطاع الكهرباء.

هذا الانتعاش لم يقتصر على أسواق الأسهم، بل امتد ليشمل كافة المؤشرات الاقتصادية. فقد ارتفع مؤشر “فوتسي جيه إس إي أفريقيا” بأكثر من 30% خلال عام 2025، وسجل الراند أعلى مستوياته منذ عام تقريبًا، فيما تراجع العائد على السندات الحكومية. هذا الأداء دفع محللي “غولدمان ساكس” لاعتبار قوة قطاع التعدين سببًا رئيسيًا للتفاؤل بشأن مستقبل النمو الاقتصادي في البلاد.

دول تستفيد من الطفرة

غانا، أكبر منتج للذهب في أفريقيا، هي الأخرى من أبرز المستفيدين. فبعد أزمة اقتصادية طاحنة في 2022 أجبرتها على التخلف عن سداد ديونها، بدأت البلاد مسارًا للتعافي. وقد ساهم ارتفاع أسعار الذهب في رفع وكالة “موديز” لتصنيفها الائتماني، كما ارتفع سعر صرف عملتها (السيدي) بنحو 38% هذا العام، مسجلاً أكبر زيادة على مستوى العالم.

يرى دانيال وود، مدير محفظة في “ويليام بلير”، أن هذا الصعود يفيد دولًا محددة في الأسواق الناشئة مثل أوزبكستان وغانا وجنوب أفريقيا. ويشير إلى أن الصورة الأكبر تكمن في بحث المستثمرين المتزايد عن بدائل استثمارية بعيدًا عن العملات التقليدية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، وهو ما يفسر تفاؤله بعملة أوزبكستان لكونها منتجًا رئيسيًا للذهب وتمتلك احتياطيات ضخمة منه.

اتجاه نحو تكديس الذهب

لا يقتصر الأمر على الدول المنتجة فقط، بل يتاب المستثمرون عن كثب دولًا أخرى مثل بولندا وتركيا وكازاخستان، التي عمدت جميعها إلى زيادة احتياطيات الذهب لديها بشكل ملحوظ. هذا التوجه يعكس رغبة متنامية في تنويع الأصول بعيدًا عن هيمنة الدولار، وتحصين الاقتصادات ضد التقلبات العالمية.

ومع ذلك، يحذر أليكسيس دي مونيس، مدير الدخل الثابت في “أشمور”، من المبالغة في تفسير هذا الاتجاه. ويوضح أن امتلاك نسبة أكبر من الذهب ضمن الاحتياطيات قد يحسن من صورة الدولة، لكن لا يجب اعتباره بالضرورة مصدرًا مباشرًا للقوة الائتمانية، مشيرًا إلى أن السياق الأوسع هو الأهم.

الأسواق الناشئة تحصد الثمار

يتفق دي مونيس مع نينغ سن، كبيرة استراتيجيي الأسواق الناشئة في “ستيت ستريت ماركتس”، على أن العامل الأكبر الداعم لهذه الأسواق حاليًا هو تزامن ارتفاع أسعار الذهب مع ضعف الدولار وتيسير الأوضاع المالية عالميًا. هذا التزامن عكس العلاقة التقليدية التي كانت ترى في صعود الذهب مؤشرًا على تراجع الأصول الخطرة.

وتضيف سن أن هذه الموجة تفيد الأسواق الناشئة أكثر من المتقدمة، لأن هذه الأسواق لا تكتفي بكونها من كبار منتجي الذهب، بل أصبحت أيضًا من أكبر مخزّنيه. هذا المزيج يضعها في موقع فريد للاستفادة من التحولات الحالية في النظام المالي العالمي، مما يعزز من جاذبيتها كوجهة للاستثمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *