صحة

سلالات “تيفويد” فائقة المقاومة تغزو القارات وتهدد بسقوط آخر حصون المضادات الحيوية

انهيار فاعلية العلاجات التقليدية أمام طفرات جينية لمرض التيفويد

محرر في قسم الصحة، يهتم بنقل الأخبار المتعلقة بالصحة العامة والتقارير العلمية المبسطة

تواجه المنظومة الصحية العالمية خطر العودة إلى حقبة ما قبل اكتشاف المضادات الحيوية، مع تطور سلالات من بكتيريا التيفويد أصبحت “فائقة المقاومة” وقادرة على تحييد معظم الأدوية المتاحة. وكشفت بيانات تحليل الشفرة الوراثية لآلاف العينات أن بكتيريا “السالمونيلا التيفية” تطور قدراتها الدفاعية بسرعة تفوق ابتكار العلاجات، مما يحول هذا المرض القديم الذي لازم البشرية لآلاف السنين إلى تهديد عصري عابر للحدود.

أظهرت نتائج تتبع مخبري لأكثر من 3400 عينة بكتيرية في جنوب آسيا انتقال سلالات شديدة المقاومة للعقاقير إلى دول خارج الإقليم شملت بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، وسط تحذيرات من تحولها إلى نمط سائد عالمياً بعد رصد قرابة 200 حالة انتقال دولي. وتسجل التقارير الصحية الحالية أكثر من 13 مليون إصابة بالتيفويد سنوياً، في وقت تبلغ فيه نسبة الوفيات نحو 20% في حال فشل العلاج أو عدم توفره، وهي أرقام تعيد التذكير بالأوبئة التاريخية التي كانت تحصد الأرواح قبل ثورة الطب الحديث.

تعتمد فاعلية العلاج حالياً على خيار وحيد متبقٍ وهو عقار “أزيثروميسين”، بعدما سقطت المضادات الحيوية التقليدية والحديثة أمام طفرات البكتيريا. ومع ذلك، رصد الباحثون مؤخراً طفرات جينية جديدة تهدد بتعطيل هذا الحصن الأخير، مما قد يجعل المرض غير قابل للعلاج تماماً بالحبوب أو الحقن المعتادة. ويرى جيسون أندروز، باحث الأمراض المعدية في جامعة ستانفورد، أن سرعة انتشار هذه السلالات تفرض ضرورة قصوى لتوسيع نطاق الوقاية، خاصة في الدول الأكثر عرضة للخطر.

تعد مقاومة الميكروبات للأدوية حالياً أحد الأسباب الرائدة للوفاة عالمياً، حيث تتجاوز ضحاياها أعداد الوفيات الناجمة عن الإيدز أو الملاريا. وبينما تظل اللقاحات “المقترنة” التي تدمج أجزاء من البكتيريا لتعزيز مناعة الأطفال هي الأداة الأقوى لمنع الكوارث الصحية المستقبلية، لا تزال الفجوة واسعة في الوصول إليها عالمياً، رغم نجاح تجربة باكستان كأول دولة تدرج هذا اللقاح ضمن برامج التحصين الروتيني.

تكمن خطورة الموقف في قدرة البكتيريا على “تصدير” نفسها من بؤرها الأساسية في جنوب آسيا إلى إفريقيا وأوروبا، مدفوعة بحركة السفر العالمية والنمو السكاني في المناطق التي تفتقر لمياه شرب نظيفة. إن التحليل التاريخي لانتشار الأوبئة يؤكد أن البكتيريا لا تعترف بالحدود، وأن التحورات التي تكتسبها في منطقة ما تصبح خلال سنوات قليلة تحدياً طبياً في الطرف الآخر من الكوكب.

مقالات ذات صلة