عجز الإدراك أمام العظمة.. دراسة ترصد التحولات العصبية لمشاعر الرهبة وتلاشي الذات
كيف يعيد الدماغ تنظيم 'الأطر الذهنية' عند مواجهة الظواهر الاستثنائية؟

كشفت أبحاث علم الأعصاب عن آليات معقدة تحكم شعور الإنسان بـ “الرهبة” (Awe)، وهي الحالة التي تحدث عندما تتجاوز ضخامة التجربة الحسية حدود الأطر الذهنية المسبقة. ويشير تحليل النشاط الدماغي إلى أن مواجهة ظواهر تتسم بالعظمة -سواء كانت طبيعية كالجبال الشاهقة أو تقنية كالنظر إلى الأرض من الفضاء- تُجبر الدماغ على إعادة تشكيل ما يُعرف بـ “المخططات الذهنية” (Schemas)، وهي القوالب التي نستخدمها لفهم العالم، حيث يعجز العقل عن استيعاب المعلومات الجديدة ضمن النماذج القائمة، مما يولد إحساساً استثنائياً بالصغر وتضاؤل الأهمية الذاتية.
ترتبط هذه الحالة الفسيولوجية بانخفاض ملحوظ في نشاط مناطق الدماغ المسؤولة عن المعالجة المرجعية الذاتية، وهي الشبكة العصبية التي تدير ذاكرة الفرد وفهمه لمكانه في العالم، ومع تراجع هذا النشاط، يزيح الدماغ تركيزه من “الأنا” نحو معالجة المعلومات الخارجية الضخمة، ما يفسر شعور رواد الفضاء بما يسمى “تأثير النظرة العامة” (Overview effect) الذي يغير جذرياً إدراكهم للحياة البشرية بعد رؤية كوكب الأرض كجرم صغير في فضاء شاسع.
تُسجل بيانات التصوير العصبي انخفاضاً في النشاط الكهربائي للدماغ المرتبط بالمعالجة الذاتية أثناء اختبار مشاعر الرهبة، مع رصد تباين في استجابة الجهاز العصبي المستقل؛ إذ تحفز الرهبة الإيجابية الجهاز “الباراسمبثاوي” مما يؤدي لخفض معدل ضربات القلب والتوتر، في حين تُنشط الرهبة السلبية -الناجمة عن الكوارث أو التهديدات- الجهاز العصبي “السمبثاوي” المسؤول عن استجابة الكر والفر.
وعلى الرغم من أن الرهبة غالباً ما ترتبط بالجمال، إلا أنها تظل حالة شعورية تقع على الحد الفاصل بين اللذة والخوف، فبينما تمنح الموسيقى العظيمة أو الطبيعة شعوراً بالهدوء والسكينة، يمكن لظواهر طبيعية عنيفة كالزلازل أن تولد رهبة سلبية مدفوعة بالشعور بفقدان السيطرة، ومع ذلك، يشترك النوعان في فرض حالة من “تلاشي الذات” التي يرى الباحثون أنها قد تكون مفتاحاً لتعزيز الروابط الاجتماعية وتحسين الصحة النفسية من خلال تقليل الهوس بالذات ورفع مستوى الشعور بالمعنى.
وتقترح الورقة البحثية إمكانية تحفيز هذه الحالة عصبياً عبر ممارسات يومية بسيطة، مثل ما يُعرف بـ “مشية الرهبة” التي تعتمد على قصدية ملاحظة التفاصيل الضخمة أو المعقدة في البيئة المحيطة، حيث يسهم هذا الربط الواعي بالجماليات الخارجية في تقليل مستويات الإجهاد، بالتزامن مع دور التجارب الجماعية -كالطقوس الدينية أو الفنية المشتركة- في تعزيز قدرة الفرد على تجاوز حدوده الشخصية والاندماج في سياق إنساني أو كوني أرحب.









