اقتصاد

شبح القرصنة يعود

القرصنة البحرية: تهديد الملاحة يتجدد

يبدو أن شبح القرصنة البحرية، الذي طارد الممرات الملاحية الحيوية قبالة سواحل الصومال لسنوات، يعود ليطل برأسه من جديد، مثيراً قلقاً متزايداً في أوساط الشحن العالمي. فبعد هدوء نسبي، عادت الحوادث لتذكرنا بأن التهديد لم يختفِ تماماً، بل كان كامناً ينتظر فرصته.

في تطور مقلق، عادت ظاهرة القرصنة البحرية لتلقي بظلالها على الممرات الملاحية الحيوية قبالة السواحل الصومالية، مدفوعة بعوامل عدم الاستقرار المتزايد في اليمن ومنطقة القرن الأفريقي. هذه العودة، التي رصدتها عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) بتسجيل ثلاثة حوادث على الأقل هذا الشهر، تعيد إلى الأذهان حقبة الفوضى التي شهدتها المنطقة سابقاً، وتثير تساؤلات حول مدى جاهزية العالم لمواجهة هذا التحدي المتجدد في أحد أهم شرايين التجارة الدولية.

تهديد متجدد

لا شك أن ذاكرة المنطقة لا تزال تحتفظ بصور تلك الأيام العصيبة التي بلغت فيها هجمات القراصنة ذروتها عام 2011، مسجلةً 176 حادثاً، حتى أن قصة اختطاف عام 2009 ألهمت فيلم “كابتن فيليبس” الشهير. لم تتراجع هذه الظاهرة إلا بفضل جهود دولية مكثفة، شملت دوريات بحرية حاسمة بقيادة “القوة البحرية للاتحاد الأوروبي” (EU Navfor)، وتواجد حراس أمن مسلحين على متن السفن، إلى جانب تحسن نسبي في استقرار الحكومة الصومالية المركزية. لكن يبدو أن هذا الهدوء كان هشاً.

وفي تحليلها للوضع، أشارت بعثة “أتالانتا” التابعة لـ”القوة البحرية للاتحاد الأوروبي”، التي تضطلع بمهام الدوريات في المياه الصومالية، إلى أن الاضطرابات الراهنة هي الدافع الرئيسي. فتهديد جماعة الحوثي في اليمن، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، بالإضافة إلى التوترات الإقليمية والخلافات الداخلية في بعض الدول، كلها عوامل خلقت بيئة خصبة. يُرجّح مراقبون أن شبكات القرصنة استغلت هذا المشهد المعقد كـ”فرصة ذهبية” لإعادة تنشيط عملياتها، وهو ما يثير قلقاً بالغاً على أمن الملاحة الدولية.

ولم تكن هذه التحذيرات مجرد تكهنات، فقد تجلت خطورة الوضع في عملية تحرير ناقلة ترفع علم مالطا يوم الجمعة الماضي، قرب بلدة إيل الساحلية. هذه المنطقة، التي كانت معقلاً رئيسياً للقراصنة في أواخر العقد الأول من الألفية، عادت لتشهد نشاطاً مريباً، مما يؤكد أن الخطر حقيقي وملموس، وأن القراصنة يستهدفون المناطق التي يعرفونها جيداً.

أرقام مقلقة

في تصريح يعكس واقع الحال، أكدت بعثة “أتالانتا” أن “القرصنة كُبحت، لكن لم يُقض عليها”. هذه العبارة تحمل في طياتها دلالة عميقة، مفادها أن التهديد لم يختفِ قط، بل ظل كامناً، ينتظر اللحظة المناسبة للظهور مجدداً، وهو ما يفسر موجة الحوادث الأخيرة التي تثير القلق.

وتؤكد الأرقام هذه المخاوف، إذ أورد المكتب البحري الدولي تسجيل خمسة حوادث قبالة سواحل الصومال وخليج عدن خلال الأشهر التسعة الماضية حتى سبتمبر. هذا المكتب الرقابي أعرب عن “قلقه الشديد” من سلسلة الهجمات التي شهدها المحيط الهندي الأسبوع الماضي، ما يشير إلى اتساع نطاق التهديد الجغرافي، ويضع ضغوطاً إضافية على شركات الشحن وقوات الأمن البحري.

من جانبه، يرى دانيال مولر، كبير المحللين ورئيس قسم الشرق الأوسط والمحيط الهندي في شركة “أمبري” البريطانية للأمن البحري، أن التهديد الحالي لقطاع الشحن ليس مجرد موجة عابرة. فبحسب مولر، “القرصنة بطبيعتها قائمة على استغلال الفرص”، مما يعني أن استمرار الظروف المواتية، مثل عدم الاستقرار الإقليمي، سيضمن استمرار هذا التهديد، وهو ما يضع تحدياً حقيقياً أمام جهود مكافحته.

ويذهب مولر أبعد من ذلك، مشدداً على أن أي معالجة فعالة لهذه الظاهرة يجب أن تتجاوز الحلول العسكرية البحتة. فالقضاء على القرصنة يتطلب فهم ومعالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الأفراد إلى الانخراط فيها، مثل الفقر والبطالة وغياب سيادة القانون، وهي قضايا اجتماعية واقتصادية عميقة تتطلب استراتيجيات تنموية شاملة، لا مجرد ردود أمنية.

ورغم إقراره بأهمية تعزيز الجهود العسكرية وتطبيق تدابير تحصين السفن وتزويدها بأفراد أمن، والتي قد تحد من عمليات الاقتحام والاختطاف، إلا أن مولر يظل مقتنعاً بأن “هذه التدابير ستعالج فقط أعراض القرصنة”. وهذا يعني أن الحل المستدام يكمن في بناء دول قوية ومستقرة، قادرة على توفير فرص الحياة الكريمة لمواطنيها.

جهود صومالية

في محاولة لردع هذا المد المتصاعد، صادق نواب الصومال مؤخراً على تشريع جديد لمكافحة القرصنة، وهي خطوة إيجابية على الورق. لكن الحقيقة المرة هي أن الدولة الصومالية لا تزال تفتقر إلى الموارد والقدرات اللازمة لتطبيق هذا القانون بفعالية واحتواء الجريمة بمفردها. فاعتمادها المستمر على القوات الأجنبية لحماية حتى كبار مسؤوليها ومقارها الحكومية، يبرز حجم التحدي الهائل الذي يواجهها، ويجعلنا نتساءل: هل يكفي القانون وحده؟

هذا الواقع المعقد للصومال يأتي في وقت حرج، فالدولة التي حصلت على إعفاء من ديون بقيمة 4.5 مليار دولار عام 2023، لا تزال تكافح للخروج من عقود من الحرب الأهلية الطاحنة. وهي في الوقت ذاته تخوض معارك شرسة ضد ميليشيات مرتبطة بجماعات إرهابية عالمية، مما يستنزف مواردها ويشتت جهودها. إنها دائرة مفرغة من التحديات الأمنية والاقتصادية التي تجعل من مكافحة القرصنة مهمة شبه مستحيلة دون دعم دولي مستمر ومتكامل.

إن عودة القرصنة البحرية قبالة سواحل الصومال ليست مجرد حوادث متفرقة، بل هي مؤشر خطير على تفاقم الأزمات الإقليمية وتداعياتها العابرة للحدود. إنها دعوة ملحة للمجتمع الدولي لإعادة تقييم استراتيجياته، ليس فقط على المستوى الأمني المباشر، بل بمعالجة الأسباب الجذرية للفقر وعدم الاستقرار، فبدون ذلك، سيبقى شبح القرصنة يهدد الملاحة العالمية، وستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الفوضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *