تأخر الإنتاج ونقص العمالة يهددان تفوق الغواصات الأمريكية
أزمة صناعة الغواصات الأمريكية: كيف يهدد نقص العمالة وتأخر الإنتاج التفوق البحري لواشنطن؟

في الوقت الذي تستعرض فيه الصين أحدث غواصاتها المسيّرة، تواجه صناعة الغواصات الأمريكية صعوبات بالغة لمغادرة الأحواض الجافة. سنوات من التأخير وارتفاع التكاليف وضعت التفوق البحري الأمريكي طويل الأمد على المحك، وكشفت عن أزمة هيكلية تهدد الأمن القومي لواشنطن.
فجوة في الأعماق
كشف استعراض الصين لغواصة جديدة بدون طاقم، مصممة لمراقبة السفن الأمريكية وكابلات قاع البحر، عن حجم استثماراتها في الصناعات البحرية. هذا التطور يأتي في وقت حرج للولايات المتحدة، حيث تعاني قاعدتها الصناعية من ضعف واضح، مما يعكس تحولاً في موازين القوى البحرية العالمية التي ظلت واشنطن تهيمن عليها لعقود.
هذا التراجع لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة قرارات استراتيجية اتُخذت بعد الحرب الباردة. وكما يقول الأميرال المتقاعد جيمس فوجو، الذي قاد غواصة الهجوم “يو إس إس أوكلاهوما سيتي”: “لقد اتخذنا قراراً واعياً بتقليص الحجم بسبب مكاسب السلام… لكن ذلك لم يأتِ على ما يرام”، في إشارة إلى أن التفاؤل الذي ساد في التسعينيات أدى إلى تفكيك جزء كبير من القدرات الصناعية الدفاعية التي يصعب الآن إعادة بنائها بالسرعة المطلوبة.
تكلفة التأخير الباهظة
المهمة الآن ملحّة بشكل غير مسبوق. فالغواصة الهجومية من فئة “لوس أنجلوس” تخضع للصيانة منذ 10 سنوات كاملة، وهو تأخير يكشف عن عمق الأزمة. كما أن برامج الجيل التالي، التي يُعول عليها للحفاظ على التفوق، تواجه مصيراً مشابهاً؛ إذ سيتأخر تسليم أول غواصات الصواريخ الباليستية من فئة “كولومبيا” لنحو عامين بتكلفة تتجاوز 16 مليار دولار، بينما يتأخر تسليم بعض غواصات فئة “فرجينيا” لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.
صُممت فئة “كولومبيا” لتحل محل أسطول “أوهايو” القديم، وتعتبر الجزء الأكثر أهمية في الثالوث النووي الأميركي. لكن تكلفتها الإجمالية ارتفعت إلى أكثر من 126 مليار دولار، وهو ما يضع ضغطاً هائلاً على ميزانية الدفاع. هذه التأخيرات لا تعني فقط فجوة في القدرات، بل تثير قلقاً حقيقياً مع اقتراب كثير من القطع البحرية الحالية من نهاية عمرها التشغيلي، في وقت تتسارع فيه الصين في بناء أسطولها.
تحديات القوى العاملة وسلسلة التوريد
في قلب الأزمة يكمن نقص حاد في العمالة الماهرة. تحتاج القاعدة الصناعية للغواصات إلى توظيف ما لا يقل عن 100 ألف عامل خلال العقد المقبل. هذا الهدف الطموح يصطدم بواقع صعب، حيث تكافح أحواض بناء السفن للاحتفاظ بالعمال، إذ تصل نسبة التسرب في بعض المهن الحيوية إلى 30%، وهو ما وصفه تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي بأنه “حاد بشكل خاص”.
تمتد المشكلة إلى سلسلة التوريد بأكملها، والتي ما تزال تعاني من آثار جائحة كوفيد-19. فترات التسليم الطويلة للمكونات المتخصصة، مثل أنظمة الدفع النووي والصلب عالي الجودة، تبطئ الإنتاج. كما أن التحول الاقتصادي نحو قطاع الخدمات استقطب العمالة بعيداً عن الصناعات الثقيلة، مما يجعل من الصعب جذب أجيال جديدة للعمل في بناء السفن.
هل الريادة الأمريكية في خطر؟
قد تهدد هذه التأخيرات التزامات الولايات المتحدة الاستراتيجية، وعلى رأسها اتفاقية أوكوس (AUKUS)، التي تشمل تزويد أستراليا بغواصات من فئة “فرجينيا”. فمعدل الإنتاج الحالي البالغ 1.2 غواصة سنوياً يقل كثيراً عن الهدف المطلوب وهو 2.3 غواصة للوفاء بالالتزامات المحلية والدولية، مما يضع مصداقية واشنطن كحليف على المحك.
على الرغم من أن الغواصات الأمريكية لا تزال متفوقة تقنياً، بميزة تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات في قدرات التخفي والأسلحة، إلا أن الصين تبني أسطولها بوتيرة أسرع بكثير. تشير التقديرات إلى أن بكين يمكنها بناء ما بين 4.5 إلى 6 غواصات نووية سنوياً، وقد يصل أسطولها إلى 80 غواصة بحلول عام 2035. هذا السباق المحموم يثير قلق حلفاء أمريكا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
محاولات لسد الفجوة
لمواجهة هذا الوضع، تضخ الإدارة الأمريكية والكونجرس مليارات الدولارات لدعم القاعدة الصناعية. وتشمل الجهود برامج تدريب سريعة مثل الذي التحق به ويليام كايسن، الجندي المخضرم في سلاح مشاة البحرية. في منشأة تدريب بجنوب فرجينيا، يتعلم المتدربون مهارات التصنيع الموجه بالحاسوب خلال 16 أسبوعاً فقط، بهدف توفير عمال مهرة بشكل عاجل.
تهدف هذه المبادرات، التي تديرها منظمات مثل “بلو فورج ألاينس”، إلى جذب 140 ألف عامل جديد خلال العقد القادم. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن رؤية نتائج ملموسة لهذه الاستثمارات قد تستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات. في غضون ذلك، تخرج كايسن مع مئات الطلاب الآخرين، وبدا متفائلاً وهو يقول في كلمة تخرجه: “هلموا نعمل، فقد سمعت أن أمامنا بعض من لحق بالركب”.









