خطة ترامب لغزة: هل ينجح “السلام الأبدي” في تفكيك ألغام الواقع؟

بكلمات رنانة تصف خطته بأنها قد تجلب “السلام الأبدي في الشرق الأوسط”، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبادرته الجديدة لإنهاء الحرب في غزة. لكن خلف هذا الوصف الطموح، تكمن تفاصيل معقدة وشبكة من المصالح المتضاربة التي قد تحول دون أن ترى هذه الخطة النور على أرض الواقع الملتهب.
مبادرة من 20 بندًا.. آمال عريضة وتحديات أكبر
في البيت الأبيض، وبجوار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كشف ترامب عن مقترحه المكون من 20 بندًا، والذي يمثل تحولًا دبلوماسيًا لافتًا في موقف إدارته. الخطة ليست مجرد دعوة لوقف القتال، بل هي إطار عمل شامل يسعى لإعادة رسم مستقبل القطاع، لكن نجاحها يعتمد على إجابة سؤال جوهري: هل يرى كل من بنيامين نتنياهو وقيادة حركة حماس أن مكاسب إنهاء الحرب تفوق مكاسب استمرارها؟
المبادرة التي صاغها مبعوث ترامب ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، بعد مشاورات مكثفة مع مصر وقطر ودول أوروبية، تستعير ملامح من جهود دبلوماسية سابقة، بما في ذلك الخطة السعودية-الفرنسية، وأفكار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي من المقرر أن يشارك في “مجلس السلام” المقترح للإشراف على إدارة غزة.
ماذا تتضمن الخطة؟
تضع خطة ترامب لغزة إطارًا متعدد المراحل يبدأ بوقف القتال وينتهي بإدارة جديدة للقطاع. يمكن تلخيص أبرز بنودها في النقاط التالية:
- وقف إطلاق النار في غزة وانسحاب محدود للقوات الإسرائيلية.
- إفراج حماس عن جميع الرهائن المتبقين لديها.
- إطلاق سراح مئات المعتقلين الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية.
- إنشاء إدارة تكنوقراطية محلية في غزة تحت إشراف “مجلس سلام” دولي مقره مصر.
- تشكيل “قوة استقرار” دولية بقيادة أمريكية وعربية لضمان نزع سلاح الفصائل.
- منح عفو لأعضاء حماس الذين يتخلون عن السلاح، ونفي الآخرين.
مواقف متضاربة.. قبول حذر وألغام سياسية
على الفور، أعلن نتنياهو قبوله لمبادئ ترامب، لكن هذا القبول لا يعني أن الطريق أصبح ممهدًا. في الداخل الإسرائيلي، يواجه نتنياهو ضغوطًا هائلة من شركائه في الائتلاف اليميني المتشدد الذين يرفضون أي تنازلات، بينما يتهمه معارضوه بأنه دأب على إفشال أي صفقة تهدد بقاءه السياسي. القبول المبدئي قد يكون مجرد تكتيك لكسب الوقت وتحميل الطرف الآخر مسؤولية الفشل لاحقًا.
في المقابل، لم يصدر عن حركة حماس رد رسمي ونهائي، لكن تصريحات قادتها الأولية لم تكن متفائلة. الحركة تتمسك بمطلبها الأساسي الذي لم تتنازل عنه طوال أشهر المفاوضات: ضمانة واضحة بانسحاب إسرائيلي كامل من غزة، وهو ما لا تنص عليه الخطة بشكل صريح، مما يفتح الباب أمام جولة جديدة من مفاوضات “نعم، ولكن…” التي تعيد الجميع إلى المربع الأول.
بين السطور.. غموض يخدم الجميع
تتميز الخطة بوجود بنود غامضة يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة، وهو ما يتيح لكل طرف الادعاء بأنه المنتصر. على سبيل المثال، تنص على أن “إسرائيل لن تحتل أو تضم غزة”، وهو مطلب عربي أساسي، لكنها في الوقت ذاته تمنحها الحق في الاحتفاظ بـ”طوق أمني” حول القطاع. كما تشير إلى “مسار ذي مصداقية نحو إقامة الدولة” الفلسطينية، لكنها صياغة فضفاضة لا ترقى إلى مستوى الالتزام بـحل الدولتين الذي يطالب به المجتمع الدولي.
هذا الغموض قد يكون متعمدًا لتسهيل القبول المبدئي، لكنه في الوقت نفسه يحمل بذور فشل أي اتفاق نهائي. وقد لوّح ترامب بالفعل بالعصا، حين أكد لنتنياهو أنه في حال رفضت حماس، فإنه يحظى بـ”الدعم الأمريكي الكامل لفعل ما يتعين عليه فعله”، ما يضع إسرائيل في موقف تفاوضي أقوى.
مشهد إقليمي ودولي معقد
تأتي هذه المبادرة في وقت تشعر فيه إسرائيل بعزلة دولية متزايدة، خاصة مع مذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو من المحكمة الجنائية الدولية. وفي تطور لافت، دفع ترامب نتنياهو للاعتذار لقطر عن غارة سابقة، مما يعيد الدوحة بقوة إلى طاولة الوساطة. كل هذه العوامل تضغط على الأطراف للبحث عن مخرج، لكن على الأرض، يستمر التصعيد العسكري الإسرائيلي في غزة، وتستعد الفصائل الفلسطينية لمعركة أخيرة.
في النهاية، تقدم خطة ترامب لغزة زخمًا جديدًا للمسار الدبلوماسي، لكنها تظل مجرد إطار عمل يحتاج إلى أسابيع، وربما أشهر، من المفاوضات الشاقة لتعبئة فراغاته بالتفاصيل. ويبقى السؤال معلقًا: هل ستتمكن الدبلوماسية هذه المرة من التغلب على أصوات المدافع ورغبات القادة في البقاء السياسي على حساب السلام في الشرق الأوسط؟











