وزير الاقتصاد السعودي: الإنتاجية تقود النمو وتراجع الاعتماد على النفط
فيصل الإبراهيم يكشف في برلين عن ملامح التحول الاقتصادي للمملكة ودورها في النظام العالمي الجديد

في تصريحات ترسم ملامح التحول الاقتصادي العميق في المملكة، كشف وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، فيصل الإبراهيم، عن تراجع ملحوظ في اعتماد الاقتصاد على النفط، مؤكداً أن الأنشطة غير النفطية باتت تشكل العصب الرئيسي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة.
خلال مشاركته في منتدى “حوار برلين العالمي”، أوضح الإبراهيم أن اعتماد المملكة المباشر وغير المباشر على النفط انخفض من نسبة كانت تتجاوز 90% إلى 68% حالياً. والأهم من ذلك، أن مساهمة الأنشطة غير النفطية وصلت إلى 56% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، متجاوزة بذلك مساهمة القطاعين النفطي والحكومي مجتمعين، في مؤشر واضح على بداية نجاح استراتيجية تنويع مصادر الدخل.
اقتصاد أكثر مرونة
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تغيير في الحسابات القومية، بل تشير إلى تحول هيكلي في بنية اقتصاد السعودية، يهدف إلى بناء نموذج أكثر استدامة ومرونة. وأكد الإبراهيم أن المملكة “لا تزال في بداية التحول”، لكن المؤشرات الحالية تدل على اقتصاد “تقوده الإنتاجية لا الإنفاق”، وهو ما يعكس فلسفة اقتصادية جديدة تبتعد عن النموذج الريعي التقليدي.
وتدعم هذه الرؤية التوقعات الرسمية المتفائلة، حيث رفعت وزارة المالية السعودية توقعاتها لنمو الاقتصاد السعودي للعام المقبل إلى 4.6%، مدفوعاً بشكل أساسي بالزخم القوي المتوقع في الأنشطة غير النفطية. هذا التحول يأتي في سياق عالمي وصفه الوزير بأنه يمر بمرحلة انتقال طويلة نحو “التعددية القطبية”، وهي فترة متقلبة لكنها تحمل فرصاً للدول القادرة على بناء قدراتها الذاتية ومؤسساتها بكفاءة.
دور الدولة الجديد والقطاع الخاص
وحول دور الدولة في هذا النموذج الجديد، شدد الإبراهيم على أن الدولة لن تغيب عن المشهد، بل ستلعب دوراً محورياً عبر “التدخل المحسوب في إزالة المخاطر التي تعترض القطاع الخاص“. هذا المفهوم يوضح أن الدولة تعمل كممكّن ومحفّز للسوق، وليس كبديل عنه، بهدف تعزيز التنافسية وديناميكية السوق. فالمشكلة، بحسب الوزير، ليست في نقص رأس المال عالمياً، بل في “ضعف التنسيق المؤسسي” وكفاءة استخدام الأموال المتاحة.
توازن استراتيجي بين واشنطن وبكين
على الصعيد الجيوسياسي، قدم الوزير السعودي رؤية прагматиية للعلاقات الدولية. فبينما وصف الولايات المتحدة بأنها الشريك التجاري الأقدم للمملكة على مدى تسعة عقود، أشار إلى أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر اليوم. هذا الموقف يعكس سياسة خارجية متوازنة، حيث “تحلل السعودية مصالحها الاقتصادية وتتخذ قرارات تخدم إمكاناتها على المدى الطويل”، دون الانحياز الكامل لأي طرف في الصراع العالمي.
وفيما يتعلق بأسواق الطاقة وتداعيات العقوبات على النفط الروسي، أكد الإبراهيم أن تركيز المملكة ينصب على “استقرار أسواق النفط على المدى الطويل وضمان تلبية الطلب العالمي”. وكشف أن المملكة تعمل حالياً على إلغاء بعض الخفض الطوعي في الإنتاج، في خطوة تهدف إلى تحقيق توازن مستدام في الأسواق، بعيداً عن التقلبات السياسية الآنية.
واختتم الإبراهيم حديثه بالتأكيد على أن التحول الاقتصادي في السعودية ليس مجرد “اغتنام فرص آنية”، بل هو عملية مؤسسية عميقة بدأت منذ أكثر من ثماني سنوات، تقوم على تقييم السياسات والانفتاح على الآراء المختلفة، معرباً عن أمله في تراجع حالة عدم اليقين عالمياً والعودة إلى نظام قائم على القواعد يفضي إلى نتائج ملموسة.










