فائض نفوذ بلا تدخل.. كيف تُدير بكين صراعات واشنطن وموسكو بـ”الريموت” الاقتصادي؟
بكين ترفض الوساطة في أوكرانيا وإيران رغم تبعية موسكو الاقتصادية الكاملة لها

تمسكت الصين بسياسة “النأي بالنفس” عن التدخل المباشر في أزمات أوكرانيا ومضيق هرمز، رغم امتلاكها أوراق ضغط اقتصادية حاسمة على طرفي النزاع في موسكو وواشنطن. وجاء هذا الموقف عقب لقاءات رفيعة المستوى عقدها الرئيس الصيني شي جين بينغ مع نظيريه الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، مؤكداً تبني بكين لنموذج دبلوماسي يتجنب الوساطة السياسية ما لم تكن هناك مصالح استراتيجية مباشرة ومخاطر عالية تهدد استثماراتها.
تعتمد روسيا حالياً على الصين لتوفير أكثر من 90% من التقنيات الخاضعة للعقوبات الغربية، في حين بلغ حجم الصادرات الصينية العام الماضي ثلث نموها الإجمالي، وهو أعلى مستوى تسجله بكين منذ عام 1997، مما يجعلها شريكاً تجارياً لا غنى عنه لموسكو التي باتت تعاني من تبعية اقتصادية شبه كاملة للمارد الآسيوي.
العلاقة غير متكافئة.
ففي الوقت الذي استقبلت فيه بكين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمراسم بروتوكولية ضخمة وصفتها الأوساط الدبلوماسية بـ”المنظمة بعناية”، انتهت القمة بتوقيع صفقات تجارية شملت شراء 200 طائرة من طراز “بوينغ”، دون تحقيق أي خرق في ملف التوتر مع إيران. وأوضح بارسيفال دي سولا ألفارادو، المدير التنفيذي لمؤسسة أندريس بيلو، أن الصين لا تمارس دور الوساطة في النزاعات إلا بوجود مصالح حيوية عميقة، مشيراً إلى أن بكين تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تمنحها هامش مناورة واسعاً أمام تذبذب إمدادات الطاقة الناتجة عن أزمة مضيق هرمز، فضلاً عن استمرار تدفق 80% من صادرات النفط الإيرانية إليها بعيداً عن الرقابة الدولية.
يرى ماريو إستيبان، الباحث في معهد إلكانو، أن الصين تروج لنفسها كـ “لاعب دبلوماسي” مقابل الدور الأمريكي القائم على القسر والعقوبات، حيث تدرك بكين أن ممارسة ضغوط مفرطة على حلفائها قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتصعيد عسكري لا يخدم استقرار السوق العالمي. وبالتزامن مع هذه الرؤية، عززت الصين شراكتها الاستراتيجية مع روسيا في قطاعات الطاقة والنقل، متجاوزةً الضغوط الغربية لاتخاذ موقف حاسم تجاه الحرب في أوكرانيا، بينما أبقت على قنوات الاتصال مفتوحة مع واشنطن لبحث ملفات نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية.
تتجنب بكين الانخراط في سياسات العزل المالي أو التدخل العسكري، مفضلةً استخدام “القسر الاقتصادي” الصامت عبر الرسوم الجمركية أو إلغاء التصاريح التجارية كأدوات بديلة للضغط السياسي. ويؤكد الخبراء أن قدرة الصين على تمويل السلع الوسيطة والتحكم في سلاسل التوريد تجعلها “الحكماً الذي يرفض إطلاق الصافرة”، مفضلةً الحفاظ على سيادتها الاقتصادية وتجنب التورط في كلف الصراعات المسلحة التي قد تستنزف مواردها المخصصة للتنمية الداخلية.









