عطور الغورماند: كيف أعادت أدوية التخسيس تشكيل حاسة الشم وسوق العطور عالميًا؟
من أوزمبيك إلى الفانيلا.. هل نتعطر بما نحرم منه؟ تحقيق يكشف العلاقة الخفية بين كبح الشهية وصعود روائح الحلويات

في منعطف لافت يربط بين صناعة الدواء وعالم الجمال، تتصاعد ظاهرة انتشار عطور الغورماند، تلك التي تحاكي روائح الحلويات والمأكولات الشهية، بالتزامن مع الطفرة العالمية في استخدام عقاقير إنقاص الوزن. الفرضية التي انطلقت من مقطع فيديو على منصة “تيك توك” تحولت إلى نقاش جاد، مدعوم بأرقام السوق وسلوكيات المستهلكين، مما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت حاسة الشم أصبحت وسيلة لتعويض الحرمان من متعة الطعام.
شرارة “تيك توك” ونظرية التعويض
بدأت القصة مع صانعة المحتوى الأسترالية إيمي إيبيل، التي طرحت في يوليو الماضي نظرية جريئة ربطت فيها بين رواج عطور الفانيلا والإسبريسو وبين انتشار أدوية بيبتيد-1 شبيه غلوكاغون (GLP-1). نظريتها، التي وصفتها بـ “كلما زاد النحول في المجتمع، ازداد الإقبال على العطور برائحة الحلويات”، لاقت صدى واسعًا، حيث حصد المقطع أكثر من 700 ألف مشاهدة وآلاف التعليقات التي بدت وكأنها تؤكد هذه العلاقة المباشرة بين الدواء والعطر.
تعليقات المستخدمين قدمت شهادات حية؛ أحدهم كتب مازحًا أن “رشة من عطري المفضل للطعام هي إفطاري”، بينما أكدت أخرى أنها منذ بدأت تناول عقار “مونجارو”، أصبحت كل مشترياتها من العطور تنتمي لفئة عطور الغورماند. هذه الشهادات حوّلت الفرضية من مجرد فكرة مثيرة للجدل إلى ظاهرة تستدعي التحليل لفهم أبعادها النفسية والاقتصادية.
أرقام السوق تؤكد الموجة
بعيدًا عن نقاشات المنصات الرقمية، تؤكد بيانات السوق أن هذا التحول حقيقي وملموس. فوفقًا لشركة “مينتل غروب” لأبحاث السوق، شكلت عطور الغورماند نحو 22% من إجمالي العطور التي طُرحت عالميًا في 2024، في قفزة واضحة مقارنة بـ 19% في 2023 و15% في 2022. كما رصدت شركة “سبيت” ارتفاعًا هائلاً في عمليات البحث عن هذه الفئة بنسبة 186% على “تيك توك” و82% عبر “جوجل” خلال عام واحد فقط.
هيمنة هذه الروائح السكرية امتدت إلى قوائم الأكثر مبيعًا، حيث كشفت بيانات “تشارم دوت آي أو” أن جميع العطور العشرة الأوائل مبيعًا على متجر “تيك توك” في الأشهر الثمانية الأولى من 2025 تضمنت نفحات من الكراميل، الفانيلا، أو الفراولة. هذا النمو المتسارع دفع أرنو غوغنبول، من شركة “جيفودان” السويسرية الرائدة، إلى وصف الأمر بأنه “موجة” وليس مجرد موضة عابرة.
تحليل إنساني: رائحة الذكريات في مواجهة الحرمان
إن تزامن هذا الصعود مع انتشار أدوية كبح الشهية ليس مجرد صدفة، بل يعكس تحولًا أعمق في علاقة الإنسان بالحواس. خلال جائحة كورونا، تغير مفهوم استخدام العطر من كونه أداة لجذب الآخرين إلى وسيلة للراحة الذاتية والهروب النفسي. واليوم، يبدو أن هذه الوظيفة تتعمق أكثر، فالعطر لم يعد مجرد رائحة جميلة، بل أصبح تجربة حسية بديلة. فالمستخدم الذي يكبح شهيته دوائيًا قد لا يتمكن من تناول قطعة الحلوى، لكنه يستطيع استحضار الإحساس المرتبط بها عبر رائحتها، محيطًا نفسه بعبقها كشكل من أشكال الإشباع العاطفي.
هذا السلوك يجد تفسيره في قوة الذاكرة الشمية، التي تعتبر الأكثر ارتباطًا بالعاطفة والذكريات المباشرة. وتشير أبحاث أولية، كما ذكرت فالنتينا بارما من مركز مونيل للعلوم الكيميائية، إلى أن عقاقير GLP-1 قد تؤثر على حاسة الشم نفسها، مما يجعل دور الروائح أكثر أهمية لمن فقدوا جزءًا من المتعة الحسية للطعام. في هذا السياق، يصبح العطر أداة لإدارة الحالة المزاجية، تمامًا كما كان الطعام يلعب هذا الدور سابقًا لدى البعض.
من الفخامة إلى الأسواق الشعبية
لم تقتصر هذه الموجة على العطور الفاخرة التي تصل أسعارها لمئات الدولارات، مثل عطور “غيرلان” أو “دي. إس. آند دورغا”، بل امتدت لتشمل علامات تجارية بأسعار معقولة تحقق انتشارًا واسعًا. وتُعد شركة “لطافة”، التي تتخذ من دبي مقرًا لها، مثالًا صارخًا، حيث تصدرت مبيعات متجر “تيك توك” بأكثر من 33 مليون دولار، مع طلب يفوق قدرتها على الإنتاج، مما يؤكد أن هذا الاتجاه عابر للطبقات الاقتصادية.
ورغم أن بعض الخبراء يرون أن هذه الظاهرة قد تكون جزءًا من دورة استهلاكية طبيعية ستتلاشى مع الوقت، إلا أن ارتباطها الوثيق بتغيرات مجتمعية وصحية كبرى يجعلها أكثر من مجرد صيحة. إنها تعبير عن بحث الإنسان عن المتعة والراحة في عالم تتغير فيه أدوات الإشباع، حيث قد تكون رائحة الفانيلا هي التعويض الأكثر أمانًا عن قطعة سكر محظورة بأمر الدواء.






