طفرة الذكاء الاصطناعي: هل يمهد اليقين الاقتصادي لانهيار تقييمات الأسهم؟
دراسة تاريخية تكشف كيف أن نضج الثورات التقنية قد يكون بداية النهاية لتقييماتها الفلكية

في خضم موجة الاستثمار العارمة في الذكاء الاصطناعي، يعود الخبراء إلى دروس الماضي، وتحديدًا إلى فترة انهيار أسهم الإنترنت في مطلع الألفية، بحثًا عن تفسيرات تتجاوز مجرد وصف ما يحدث بـ”هوس المستثمرين”. يبدو أن التاريخ المالي يقدم إطارًا تحليليًا لفهم الديناميكيات الحالية التي تحرك أسواق التكنولوجيا.
نموذج أكاديمي يفسر الطفرات التقنية
في قلب هذا النقاش، تبرز ورقة بحثية مؤثرة بعنوان “الثورات التقنية وأسعار الأسهم”، أعدها الباحثان لوبوس باستور وبييترو فيرونيسي عام 2009. هذه الدراسة، التي نالت مؤخرًا جائزة ستيفن إيه. روس المرموقة، لم تعد مجرد وثيقة أكاديمية، بل أصبحت خارطة طريق لفهم كيف تؤثر الثورات التقنية على الأسواق المالية، وهو ما جعلها محور مؤتمر استضافه معهد ماساتشوستس للتقنية هذا الشهر.
لا تقدم الورقة تنبؤات حاسمة حول موعد انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنها تقدم رؤية أعمق لكيفية تطورها. المفارقة الأساسية التي تكشفها النماذج الرياضية البسيطة هي أنه كلما أصبح التأثير الاقتصادي لتقنية جديدة أكثر وضوحًا ويقينًا، كلما انخفضت تقييمات الأسهم المرتبطة بها، مثل نسبة السعر إلى الأرباح والقيمة الدفترية.
لماذا يدفع المستثمرون أكثر مقابل الغموض؟
تستند هذه الفكرة إلى تعديل لنموذج تقييم كلاسيكي يُعرف بـ”نموذج غوردون للنمو”. ببساطة، يُظهر النموذج أن حالة عدم اليقين بشأن معدلات النمو المستقبلية تدفع التقييمات للارتفاع. فعندما يكون نطاق النتائج المحتملة واسعًا جدًا — بين نمو هائل وفشل ذريع — يكون المستثمر العقلاني مستعدًا لدفع علاوة سعرية مقابل احتمالية تحقيق السيناريو الأفضل، ما يفسر التقلبات الحادة والتقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا في مراحلها الأولى.
على سبيل المثال، إذا كان النمو المتوقع 5%، لكنه ناتج عن احتمالين متساويين لنمو 1% أو 9%، فإن القيمة المتوقعة للسهم تكون أعلى بكثير مما لو كان النمو مؤكدًا عند 5%. هذا التباين في الاحتمالات هو ما يغذي المضاربات والتقييمات الفلكية التي نشهدها اليوم في قطاع الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما حدث مع شركات الإنترنت في أواخر التسعينيات.
تحليل: من الحلم الثوري إلى الواقع الاقتصادي
ما يحدث في دورة حياة أي تقنية ثورية ليس مجرد تحول رقمي، بل هو تحول في طبيعة المخاطر نفسها. في البداية، تكون شركات الذكاء الاصطناعي كيانات معزولة، ومخاطرها خاصة بها ويمكن للمستثمرين تنويعها بسهولة. لكن مع نضج التكنولوجيا وتغلغلها في شرايين الاقتصاد، تتحول هذه الشركات من مجرد رهانات speculative إلى جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العام، وهو ما يغير قواعد اللعبة بالكامل.
هذا الاندماج بين “الاقتصاد الجديد” و”الاقتصاد القديم” يرفع من المخاطر المنهجية (Systematic Risk)، التي لا يمكن تجنبها. بعبارة أخرى، يصبح مصير هذه الشركات مرتبطًا بشكل وثيق بصحة الاقتصاد ككل. هذا الارتباط المتزايد يجبر المستثمرين على المطالبة بعائد أعلى على استثماراتهم، ما يؤدي إلى رفع “معدل الخصم” المستخدم في تقييم الأرباح المستقبلية، وبالتالي انخفاض القيمة الحالية للسهم، حتى لو كانت الشركة تحقق أرباحًا متزايدة.
مؤشرات على تغير قواعد اللعبة
بدأت هذه الظاهرة بالظهور بالفعل. تشير أبحاث حديثة إلى أن “عامل بيتا” — وهو مقياس للمخاطر المنهجية — لأسهم الذكاء الاصطناعي آخذ في الارتفاع. هذا يعني أن أسعارها أصبحت أكثر تأثرًا بتحركات السوق ككل، وهو مؤشر على أن مرحلة العزلة والمخاطر الخاصة قد شارفت على الانتهاء. إنها بداية “صراع بين التدفقات النقدية وأسعار الخصم”، كما يصفه الباحثون.
في البداية، قد تتمكن زيادة الأرباح من الحفاظ على ارتفاع الأسعار، لكن المحاكاة التاريخية التي أجراها باستور وفيرونيسي، والتي شملت طفرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر وانهيار الإنترنت، أظهرت أن الغلبة في النهاية تكون لارتفاع معدلات الخصم، ما يؤدي إلى تصحيح حتمي في الأسعار. ومع تزايد اليقين حول حجم الإنتاجية التي سيضيفها الذكاء الاصطناعي، من المرجح أن يقل حماس المستثمرين، وتعود تقييمات الأسهم إلى مستويات أكثر واقعية.







