عرب وعالم

خطة “ترامب كير” والإسكان: هل تعيد الرسوم الجمركية تشكيل الاقتصاد الأمريكي؟

ترامب يكشف عن رؤية اقتصادية شاملة لخفض تكاليف الرعاية الصحية وكبح جماح المضاربة العقارية بتمويل جمركي.

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

كشف الرئيس السابق دونالد ترامب عن خطة طموحة يسعى لتكون حجر الزاوية في أجندته الاقتصادية والاجتماعية، تتضمن نظام رعاية صحية بتكلفة منخفضة أطلق عليه “ترامب كير”، يُمول عبر الرسوم الجمركية الدولية، ويرافقه حزمة من الإجراءات للحد من المضاربة في سوق الإسكان. تأتي هذه المقترحات في سياق استقطاب سياسي واسع وسخط شعبي من نظام صحي يستنزف ما يقرب من 18% من الناتج المحلي الإجمالي، ويدفع ملايين العائلات إلى حافة الإفلاس بسبب استشفاء غير متوقع.

يمثل هذا التحول رؤية جريئة بقدر ما هي مثيرة للجدل. يتعهد ترامب بتوفير تأمين صحي بأسعار معقولة، وشفافية في الأسعار “من الحبة إلى سرير المستشفى”، إضافة إلى إطار تنظيمي جديد يهدف إلى منع الصناديق الاستثمارية الكبرى من الاستحواذ على المساكن العائلية. ويؤكد أن كل ذلك سيتم دون زيادة العجز في الميزانية، معتمداً على رسوم جمركية جديدة على الواردات وإعادة توجيه الموارد المخصصة للخارج لتمويل هذه المبادرات.

“ترامب كير”: رؤية أوروبية بلمسة أمريكية خاصة

يعترف ترامب نفسه بأن خطته تستلهم “ما ينجح في الخارج”، في إشارة واضحة إلى الأنظمة الأوروبية التي تتميز بتغطية شبه شاملة وتكاليف فردية أقل بكثير من نظيرتها الأمريكية. ومع ذلك، يرفض وصف مقترحه بـ”النموذج الأوروبي”، مقدماً إياه كنموذج هجين يجمع بين التأمين الخاص والمنافسة بين شركات التأمين والموردين، لكن تحت مظلة من الشفافية في الأسعار وتحديد سقف للرسوم على بعض الخدمات الأساسية.

يتمحور المشروع حول هدفين رئيسيين: أولاً، الحد من غموض التسعير الذي يسمح بتفاوت كبير في تكلفة الإجراءات الطبية، حيث قد تكلف العملية نفسها 2000 دولار في مستشفى و20000 دولار في آخر على بعد بضعة كيلومترات. ثانياً، تشجيع وثائق التأمين ذات التكلفة المنخفضة للعائلات محدودة ومتوسطة الدخل، وذلك بفضل تعزيز الإعفاءات الضريبية والتفاوض المركزي على أسعار أدوية معينة.

الرسالة السياسية واضحة: “ليس اشتراكية صحية، بل رأسمالية منضبطة”. لكن التفاصيل الدقيقة تثير تساؤلات: إلى أي مدى يمكن خفض فاتورة العائلات دون المساس بهوامش أرباح المستشفيات وشركات التأمين والأدوية؟ وكيف سيكون رد فعل لوبي الرعاية الصحية الذي يدير مئات المليارات من الدولارات سنوياً؟

الرسوم الجمركية كمخزون صحي: حمائية اجتماعية

يكمن الجانب الأكثر إثارة للجدل في الخطة في فصل التمويل. يقترح ترامب تغطية جزء كبير من تكلفة النظام الصحي الجديد عبر فرض رسوم جمركية على الواردات، خاصة من الدول التي تسجل معها الولايات المتحدة عجزاً تجارياً كبيراً. السردية بسيطة وقوية: “دعهم يدفعون”.

عملياً، ستعمل الآلية كتحويل غير مباشر: الرسوم الجمركية ترفع أسعار المنتجات الأجنبية، مما يزيد من الإيرادات الفيدرالية، وتُخصص هذه الإيرادات لدعم التأمين الصحي الأقل تكلفة. يرى البيت الأبيض أن هذه الخطوة تحقق ثلاثة أهداف: حماية الصناعة المحلية، تعزيز الميزان التجاري، وتخفيف العبء عن دافعي الضرائب.

يحذر الاقتصاديون من مختلف التوجهات من هذا الفخ. ففي نهاية المطاف، يتحمل المستهلكون الأمريكيون جزءاً من الرسوم الجمركية عبر ارتفاع الأسعار. بمعنى آخر، العائلة التي ستوفر في قسط التأمين الصحي قد تجد نفسها تدفع أكثر مقابل كل شيء، من السيارة إلى الهاتف المحمول. الخطر واضح: قد لا يكون “ترامب كير الجمركي” سوى لعبة تبادل مواقع، مع توفير في الرعاية الصحية من جهة وتضخم مستورد من جهة أخرى.

إعادة ترتيب الإنفاق الخارجي لخدمة الداخل

يتضمن المشروع أيضاً بعداً جيوسياسياً. يقترح ترامب إعادة توجيه بنود الإنفاق المرتبطة حالياً بالالتزامات الخارجية – بدءاً من المساهمات في المنظمات الدولية وصولاً إلى برامج المساعدة والوجود العسكري – نحو تمويل الرفاه الداخلي. تتوافق هذه الرسالة مع شعاره الكلاسيكي: “أمريكا أولاً، أيضاً في الرعاية الصحية”.

يرى البيت الأبيض أن تخفيضاً تدريجياً لبعض الالتزامات الخارجية سيتيح تحرير عشرات المليارات من الدولارات سنوياً لتعزيز الركيزة الصحية وبرامج داخلية أخرى دون زيادة الضغط الضريبي المباشر. تستهدف هذه الحجة الناخبين الذين سئموا من الحروب البعيدة وعمليات الإنقاذ الأجنبية، بينما ترتفع أقساط التأمين في الداخل.

لكن هذا المنطق يحمل تبعات. فتقليص الوجود في مناطق معينة وتخفيض المساهمات في التحالفات والمنظمات الأمنية قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على التأثير العالمي. وهكذا، تصبح الرعاية الصحية جزءاً من تحول استراتيجي نحو الانكفاء، مع عواقب تتجاوز بكثير نظام المستشفيات.

الإسكان: كبح جماح الصناديق الاستثمارية وحماية المنازل

يمثل الإسكان الركيزة الكبرى الأخرى في هذه الحزمة. يقترح ترامب فرض قيود صارمة على قدرة الصناديق الاستثمارية، وصناديق الائتمان العقاري، والكيانات العقارية الكبرى على شراء المساكن العائلية. ستظل هذه الكيانات قادرة على الاستحواذ على الفنادق والمكاتب والعقارات الفاخرة والأصول التجارية، لكنها ستواجه حظراً أو ضرائب عقابية إذا حاولت الاستمرار في تجميع المنازل المستقلة أو المباني السكنية المخصصة للإيجار العادي.

الهدف المعلن هو كبح جماح الاتجاه الذي أخرج آلاف العائلات من السوق. ففي بعض الولايات، تجاوزت نسبة مشتريات المنازل العائلية من قبل المستثمرين المؤسسيين 20% خلال السنوات الأخيرة، حيث يقومون لاحقاً بتأجيرها بأسعار مرتفعة أو ينتظرون تحقيق مكاسب رأسمالية. يسعى ترامب لاستغلال استياء الطبقة الوسطى التي ترى حلم امتلاك منزلها يتلاشى، بينما تستحوذ صناديق مجهولة على أحياء بأكملها.

يرى مؤيدو هذا الإجراء أنه يمثل دفاعاً عن الرأسمالية الشعبية في مواجهة “الرأسمالية المالية”. لكن المنتقدين يحذرون من أن تقييد كبار المشترين قد يقلل من السيولة، ويعيق البناء، ويحوّل المضاربة إلى قطاعات أخرى، مما يؤدي، على سبيل المثال، إلى ارتفاع إيجارات الفئة المتوسطة. المعركة السياسية محتدمة: ستتهم وول ستريت البيت الأبيض بخنق حرية الاستثمار، بينما سيصفق الشارع لأي خطوة تبدو وكأنها تضع العائلات قبل الصناديق.

تداعيات جانبية في سوق العقارات

على المدى القصير، قد تؤدي القيود المفروضة على شراء المساكن من قبل الصناديق الكبرى إلى تصحيحات انتقائية في الأسعار بالمناطق التي كان فيها هذا الطلب المؤسسي قوياً. وسيرى المطورون والبنوك جزءاً من عملائهم المتكررين يختفي أو يتحول نحو الأصول الفاخرة والفنادق، الأقل تأثراً بالقيود الجديدة.

على المدى المتوسط، سيكون التأثير أكثر تعقيداً. فإذا اضطرت الصناديق إلى تحويل محافظها الاستثمارية نحو القطاعات الراقية، فمن المرجح أن يزداد المعروض من المساكن العائلية المعروضة للبيع، مما قد يخفف قليلاً من أسعار الشراء ولكنه سيضغط على سوق الإيجار: المزيد من العائلات المثقلة بالديون للشراء، وعدد أقل من العقارات المدارة بشكل احترافي كإيجارات.

ستعتمد المعادلة، إلى حد كبير، على ما إذا كانت الحكومة ستدعم هذه القيود بحوافز لبناء مساكن ميسورة التكلفة: توفير الأراضي، تخفيضات ضريبية، وتسريع التراخيص. فبدون هذا الدعم، هناك خطر تغيير ملكية المنازل دون حل مشكلة الوصول الأساسية.

رهان على السلطة: الصحة، الإسكان، والهيمنة المحافظة

بين السطور، تكشف الخطة عن طموح يتجاوز الولاية التشريعية القادمة. يطمح ترامب ومحيطه إلى إعادة بناء قاعدة اجتماعية دائمة حول وعدين ملموسين: “رعاية صحية ميسورة التكلفة” و”منزل يمكنك شراؤه”. إذا نجح في الجمع بين أقساط تأمين أقل وكبح المضاربة العقارية، فقد يصبح هذا المشروع مرساة للهيمنة السياسية المحافظة على المدى المتوسط.

الاستراتيجية واضحة: احتلال أرضية كانت تقليدياً حكراً على الحزب الديمقراطي – الحماية الاجتماعية، الوصول إلى السكن – ولكن من خلال نهج القومية الاقتصادية والنظام في الأسواق، وليس عبر الزيادة الكلاسيكية في الإنفاق العام. إنها “رعاية وطنية” ممولة بالرسوم الجمركية وإعادة التوزيع الداخلي، بدلاً من الزيادات الضريبية الشاملة.

لكن المخاطرة مزدوجة. فإذا لم تحقق الرسوم الجمركية الإيرادات المتوقعة أو تسببت في إجراءات انتقامية تجارية، فقد يصبح تمويل الخطة موضع شك. وإذا أدت القيود العقارية إلى نقص في المعروض وظهور فقاعات جديدة، فقد ينقلب خطاب الدفاع عن العائلات ضد من يدفعه.

تساؤلات تحدد مستقبل “ترامب كير الجمركي”

حتى الآن، تثير حزمة الرعاية الصحية والإسكان تساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات مؤكدة. ثلاثة أسئلة رئيسية ستحدد مسارها:

  • ما هو الحجم الفعلي للإيرادات التي ستجنيها الرسوم الجمركية ومن سيتحمل تكلفتها؟ فإذا ارتفعت أسعار المستهلكين بشكل كبير، قد يتبدد أي تخفيف في تكاليف الرعاية الصحية.
  • هل سيقبل الكونغرس نموذج تمويل شديد التقلب؟ إن بناء ركيزة اجتماعية على إيرادات تجارية خاضعة للتقلبات الجيوسياسية يعد أمراً محفوفاً بالمخاطر على أقل تقدير.
  • هل سينجح البيت الأبيض في احتواء نفوذ جماعات الضغط في قطاعي الصحة والعقارات؟ فالمستشفيات وشركات الأدوية وشركات التأمين والصناديق الكبرى تمتلك نفوذاً كافياً لتخفيف أو إعادة صياغة القانون خلال العملية التشريعية.

في غضون ذلك، يتابع الرأي العام عرض خطة تعد بحلول بسيطة لمشكلات بالغة التعقيد. إذا نجحت هذه التجربة، فقد تفتتح الولايات المتحدة شكلاً جديداً من الحمائية الاجتماعية. أما إذا فشلت، فستكون مجرد فصل آخر في التاريخ الطويل للمحاولات الفاشلة لإصلاح “الثقبين الأسودين” في الاقتصاد الأمريكي: الرعاية الصحية والإسكان، عبر عناوين الصحف.

مقالات ذات صلة