عرب وعالم

حصن الأطلسي: بريطانيا تعيد تشكيل دفاعاتها البحرية لمواجهة تحديات العصر

برنامج Atlantic Bastion يمثل تحولاً استراتيجياً في الحرب تحت الماء، مدفوعاً بالتهديدات الروسية المتجددة والتقدم التكنولوجي.

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

في عمق المحيط الأطلسي، حيث تتشابك المصالح الجيوسياسية وتتزايد التحديات الأمنية، أعلنت المملكة المتحدة عن إطلاق برنامجها الرائد “حصن الأطلسي” (Atlantic Bastion). يهدف هذا المشروع الطموح إلى تعزيز الأمن البريطاني وحلفائها في مواجهة التهديدات الروسية المتنامية تحت سطح البحر، مؤكداً على تحول نوعي في قدرات مكافحة الغواصات.

لطالما كانت الممرات البحرية الشريان الحيوي للتجارة العالمية والأمن القومي. اليوم، تشهد هذه الممرات تصاعداً ملحوظاً في نشاط الغواصات الروسية، بما في ذلك سفن التجسس المتطورة مثل “يانتار”، التي رصدت حول المياه البريطانية. هذه التحركات ليست مجرد استعراض للقوة؛ إنها تعكس استراتيجية روسية محدثة تستهدف البنية التحتية البحرية الحيوية، كالكابلات وخطوط الأنابيب، التي تشكل عصب الاقتصاد الرقمي العالمي. هذا التطور يفرض واقعاً جديداً يتطلب استجابة دفاعية مبتكرة وغير تقليدية.

تجدد التحديات تحت الماء

تؤكد وزارة الدفاع البريطانية أن المملكة المتحدة باتت أكثر أماناً بفضل هذا التحول الاستراتيجي. يركز البرنامج على تطوير قدرات البحرية الملكية لتصبح قوة رائدة في صيد الغواصات. وقد زار وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، قاعدة بورتسموث البحرية الملكية للكشف عن تفاصيل العمل الأولي في هذا البرنامج. تم تخصيص ملايين الجنيهات هذا العام للاستثمار في تطوير واختبار تكنولوجيا استشعار مبتكرة لمكافحة الغواصات. إن هذا الاستثمار يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة التهديدات الجديدة التي تواجه المملكة المتحدة وحلفاءها تحت سطح البحر، حيث يستهدف الخصوم البنية التحتية بالغة الأهمية. إنه ليس مجرد تحديث عسكري، بل هو إقرار واقعي بضرورة تكييف استراتيجيات الدفاع مع طبيعة التهديدات المتغيرة باستمرار، لضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية.

استراتيجية الدفاع الهجين

يُعد برنامج “حصن الأطلسي” تجسيداً لرؤية مراجعة الدفاع الاستراتيجي للحكومة البريطانية. إنه يضع المملكة المتحدة في طليعة ثورة تكنولوجية في الحرب البحرية. يجمع البرنامج بين أحدث السفن السطحية والغواصات ذاتية القيادة، والبنية التحتية الرقمية المتطورة، والسفن الحربية وطائرات الدوريات عالمية المستوى. هذه التركيبة الفريدة تهدف إلى إنشاء قوة بحرية هجينة متطورة. هذه القوة مصممة للدفاع عن المملكة المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد التهديدات المتطورة. سيمكن البرنامج المملكة المتحدة من رصد الخصوم وتتبعهم، والتحرك ضدهم بفعالية غير مسبوقة عبر مساحات شاسعة من المحيط عند الحاجة. هذا النهج المتكامل لا يعزز القدرات الدفاعية فحسب، بل يرسخ أيضاً مبدأ الردع الفعال في بيئة بحرية معقدة.

الابتكار التكنولوجي كدرع

تُظهر استجابة الصناعة البريطانية والأوروبية حماساً كبيراً لهذا المشروع. قدمت 26 شركة مقترحات لتطوير تكنولوجيا الاستشعار المضادة للغواصات، وعرضت 20 شركة عروضاً توضيحية للتكنولوجيا. هذا التعاون بين القطاعين العام والخاص، حيث يقابل كل جنيه استثمار حكومي بأربعة جنيهات من الاستثمار الخاص، يسرع وتيرة الابتكار. من المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة بدء الشركات التي ستتلقى المنح في نقل أعمال التطوير من المفهوم إلى الخطوط الأمامية. من المقرر نشر هذه القدرات في المياه العام المقبل، مع استثمارات إضافية لتسريع وتوسيع البرنامج في عام 2026. هذا التطور والاختبار السريع يؤكد استعداد صناعة الدفاع البريطانية لدعم مقترح الحكومة بشأن البحرية الهجينة، ويعكس التزاماً بتحقيق التفوق التكنولوجي في ساحة المعركة البحرية.

رؤية مستقبلية للأمن البحري

يُعد برنامج “حصن الأطلسي” بمثابة مخطط لمستقبل البحرية الملكية البريطانية. إنه يجمع بين أحدث التقنيات المستقلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي مع سفن حربية وطائرات عالمية المستوى. الهدف هو إنشاء قوة قتالية هجينة متطورة للغاية للكشف عن التهديدات التي تواجه المملكة المتحدة وهزيمتها. يشمل المشروع ربط السفن والغواصات والطائرات والسفن المسيرة من خلال تقنية الكشف الصوتي المدعومة بالذكاء الاصطناعي. سيتم دمج كل ذلك في شبكة استهداف رقمية، وهي شبكة رائدة من أنظمة الأسلحة التي تسمح باتخاذ قرارات ساحة المعركة لاستهداف التهديدات المعادية وتحييدها بشكل أسرع. يمثل البرنامج نهجاً متكاملاً ومتعدد المجالات، حيث يجمع بين أصول البحرية والقوات الجوية البريطانية والبنية التحتية الرقمية للقيادة الاستراتيجية والشركاء التجاريين، لإنشاء نظام شبكي يمتد من الجو إلى السطح وتحت الماء. هذا التكامل يعكس فهماً عميقاً بأن الأمن البحري الحديث يتطلب تعاوناً غير مسبوق عبر مختلف الأبعاد العملياتية والتكنولوجية.

من جانب الصناعة، أشاد ريتش دريك، المدير الإداري لشركة Anduril المملكة المتحدة، بالدعوة الحكومية لتطوير المقاتل العصري. وأكد سكوت جاميسون من BAE Systems أن الاستقلال الذاتي يمثل فرصة تحويلية لإعادة تعريف العمليات البحرية، مشيراً إلى تطوير غواصة Herne، أول غواصة بريطانية ذاتية القيادة للاستخدام العسكري. كما أكدت أميليا جولد من Helsing على ريادة المملكة المتحدة في ابتكار الدفاع البحري، مشيرة إلى قدرة الذكاء الاصطناعي المتقدم والاستقلالية على تغيير قواعد اللعبة في ساحة المعركة تحت الماء. هذه الشراكات الصناعية تؤكد على أن المستقبل الدفاعي لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن الخبرات التكنولوجية المتقدمة، وأن “حصن الأطلسي” ليس مجرد برنامج، بل هو رؤية استراتيجية شاملة لأمن بحري مستدام وفعال في عالم متغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *