عرب وعالم

تآكل الإجماع الأميركي يثير فزع تل أبيب: هل انتهى عصر الدعم غير المشروط؟

مخاوف متزايدة في إسرائيل من خسارة الدعم الحزبي المشترك وتغير مواقف الأجيال الشابة في الولايات المتحدة

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

تتصاعد المخاوف داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية من حدوث “تحول دائم” وغير مسبوق في العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، في ظل تآكل الإجماع الحزبي الأميركي التقليدي حول دعم تل أبيب. ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين ومحللين إسرائيليين قلقهم العميق إزاء مستقبل هذه الشراكة، بالتزامن مع بروز مؤشرات على انقسام متزايد بين الناخبين الأميركيين، تجلى مؤخراً في فوز عبدول السيد، المعروف بمعارضته الشديدة للمساعدات العسكرية لإسرائيل، في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية بمقعد الترشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، متغلباً على منافسته هيلي ستيفنز التي تلقت دعماً مالياً تجاوز 30 مليون دولار من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك” وجماعات متحالفة معها.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” بالتعاون مع معهد “إبسوس” الشهر الماضي، أن غالبية الأميركيين باتوا يؤيدون تقليص أو إنهاء الدعم العسكري لبلادهم الموجه لإسرائيل، وهي نسبة ترتفع لتشمل نحو ثلاثة أرباع الناخبين الديمقراطيين. ويعيد هذا التوجه رسم ملامح العلاقة التي استقرت لعقود على أرضية صلبة من التأييد المشترك بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري؛ ففي عام 2016، وقعت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما مذكرة تفاهم تاريخية بقيمة 38 مليار دولار كدعم عسكري لإسرائيل ممتد لعشر سنوات، حظيت حينها بتأييد واسع وغير مشروط من كلا الحزبين في الكونجرس الأميركي، وهو ما يتباين بشكل حاد مع الدعوات الحالية لوضع قيود على هذا الدعم أو إنهائه بالكامل.

وفي منتدى هرتسليا الأمني الشهر الماضي، صرح زعيم المعارضة ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يائير لبيد بأن “العلاقات الخارجية لإسرائيل لم تكن في أي وقت مضى بهذا القدر من التراجع”، معتبراً أن العزلة الحالية لا تزال قابلة للاحتواء لأن العالم يدرك أن “المشكلة تكمن في الحكومة وليس في الدولة نفسها”، في حين امتنع مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن التعليق على هذه التصريحات. ومن جانبه، أشار مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن، إلى خطورة الوضع الراهن قائلاً: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ علاقاتنا مع الولايات المتحدة التي لا نجد فيها جهة يمكن اللجوء إليها”، موضحاً أن إسرائيل كانت في السابق تتجه إلى الديمقراطيين إذا واجهت مشكلة مع إدارة جمهورية، والعكس صحيح.

ويرى منتقدو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يستعد لخوض انتخابات عامة في أكتوبر المقبل، أن تركيزه طيلة أكثر من عقد على توطيد العلاقات الشخصية مع دونالد ترمب والحزب الجمهوري جاء على حساب استدامة العلاقات الثنائية طويلة الأجل. وبحسب الخبير في العلاقات الأميركية-الإسرائيلية بجامعة “رايخمان”، إيتان جلبوع، فإن الدعم الحزبي المشترك تراجع نتيجة التحولات الداخلية في الحزب الديمقراطي، وإلى جانب اصطفاف نتنياهو العلني مع الجمهوريين منذ عام 2012. وفي سياق متصل، ذكرت أستاذة العلوم السياسية في الجامعة العبرية بالقدس، جايل تالشير، أن ترمب بدأ يبتعد تدريجياً في خطابه عن نتنياهو، معتبرة أن وصف ترمب لنتنياهو بأنه “رئيس وزراء في زمن الحرب” بات يعني في الواقع أن وجوده يحول دون إنهاء الحروب وتحقيق السلام.

وعمّقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إلى جانب الانطباع السائد بدفع نتنياهو لترمب نحو خوض مواجهة عسكرية مع إيران، الهوة بين واشنطن وتل أبيب، بحسب مراقبين. ونقلت “واشنطن بوست” عن الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، جيسي واينبرج، أن نتائج انتخابات ميشيجان تعكس اتجاهاً أوسع بين جيل الشباب الأميركي الذي يتبنى مواقف مناهضة لإسرائيل بشكل واضح، معتبراً أن حرب غزة تشكل بالنسبة لهم لحظة سياسية فاصلة ستترك أثراً طويل الأمد. وفي المقابل، وصفت يائيل ستيرنهيل، الأستاذة بجامعة تل أبيب، الوضع بأن الإسرائيليين يعيشون في “فقاعة إعلامية” بسبب الفجوة بين التغطية المحلية للحرب والمنظور الدولي الذي يركز على الكارثة الإنسانية الفلسطينية، مما جعلهم يتفاجأون بضيق الحزب الجمهوري وترمب من السياسات الإسرائيلية.

وتواجه مساعي تل أبيب للحد من الاعتماد على واشنطن عقبات هيكلية عميقة؛ فرغم دعوة نتنياهو لتعزيز الإنتاج المحلي للذخائر، يؤكد خبراء ومسؤولون أن البنية العسكرية الإسرائيلية تظل مرتبطة بشكل وثيق بالإمدادات الأميركية. وحذرت جايل تالشير من أن السياسات الراهنة تعرض علاقات إسرائيل للخطر مع الإدارة الأميركية المقبلة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، بينما تشير تالشير إلى أن أي حكومة مستقبلية يقودها مرشحون مثل نفتالي بينيت أو جادي أيزنكوت ستكون مطالبة بإعادة بناء العلاقات مع الحزبين وتحسين صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي بعيداً عن الحسابات السياسية لنتنياهو.

مقالات ذات صلة