صحة

مخدر الكيتامين يعيد تشكيل خلايا المخ لدى الإناث فقط.. فجوة طبية تهدد صحة المرأة

دراسة حديثة تكشف تباينًا جندريًا في تأثر خلايا الدماغ ببنج الكيتامين وتفتح الباب لإعادة النظر في أمان الأدوية للنساء

محررة في قسم الصحة، تهتم بتغطية القضايا المتعلقة بالغذاء والوقاية وأسلوب الحياة الصحي

كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة Science Advances العلمية أن مخدر “الكيتامين” يسبب إعادة تشكيل خلايا المخ لدى الإناث فقط دون الذكور، وهو ما يطرح تساؤلات جديدة حول دقة الجرعات الطبية الموجهة للمرأة. الكيتامين، الذي تم تخليقه لأول مرة في عام 1962 وحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في عام 1970 كبنج آمن، ظل يُستخدم لعقود دون وعي كافٍ بالفروق الجسدية بين الجنسين وتأثيره الخاص على كيمياء الدماغ الأنثوي.

تأثير غامض على خلايا المناعة

وأظهرت التجارب التي أجراها باحثون في معهد العلوم والتكنولوجيا في النمسا على الفئران، أن خلايا المناعة الأساسية في الجهاز العصبي، والمعروفة باسم “الخلايا الدبقية الصغيرة”، تبدأ بعد تخدير الكيتامين في مد أذرعها لتحتضن الخلايا العصبية المسؤولة عن التفكير والحركة. هذا الاحتضان يزيد من تكوين الروابط بين خلايا المخ، مما يسهل عملية إعادة تشكيل الدماغ أو ما يُعرف بالمرونة العصبية خلال فترة التعافي التي قد تمتد إلى 48 ساعة.

وأوضح أليساندرو فينتورينو، الباحث في علم وظائف الأعضاء والمؤلف الأول للدراسة، أن هذه المرونة وقدرة الدماغ على التكيف والتعافي تمت ملاحظتها فقط لدى الإناث بعد مراقبة التغيرات داخل أدمغة الفئران الحية عبر نافذة جمجمية متطورة. ورصد العلماء زيادة واضحة في تواصل الخلايا المناعية مع الخلايا العصبية بعد نحو ساعة واحدة من حقن الإناث بالكيتامين، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى الذكور على الإطلاق.

ويرتبط هذا التباين الجندري تاريخياً بفجوة بحثية قديمة؛ إذ اعتادت المختبرات الطبية عالمياً وفي مصر على تجنب استخدام الإناث في التجارب لتفادي تعقيدات الدورة الهرمونية، مما تسبب في ضعف فهم الآثار الجانبية للأدوية على النساء. وفي هذه الدراسة، وجد الباحثون أن منع الخلايا المناعية من العمل عبر تقديم نظام غذائي خاص للفئران قبل أسبوع من التخدير، قد أوقف تماماً هذا التأثير الناتج عن المخدر.

الهرمونات والتوتر

وعزا فينتورينو هذا التفاعل إلى ارتفاع مستويات هرمون الكورتيكوستيرون المسؤول عن التوتر أثناء التعافي من البنج، مما ينشط جيناً خاصاً بالاستجابة للضغط النفسي يُدعى “Fkbp5” داخل الخلايا المناعية للإناث تحديداً. هذا الجين ينتج بروتيناً يساعد الخلية على التعامل مع إشارات القلق، ويدفعها للتلاحم مع الخلايا العصبية وتغيير هيكل الدماغ.

وعندما قام الباحثون بإزالة الغدد الكظرية، وهي المصدر الرئيسي لهرمون التوتر في الجسم، ضعف نشاط الخلايا المناعية تماماً ولم يستجب للكيتامين، حتى أعاد العلماء حقن الهرمون مرة أخرى، مما يثبت دوره كمحرك أساسي لهذه العملية. الكيتامين يُصنف كعقار يخضع لرقابة صارمة وجدول للمخدرات في مصر والعديد من دول العالم بسبب تأثيراته المهلوسة ومخاطر إساءة استخدامه، وهو ما يزيد من أهمية فهم آلياته بدقة لحماية المرضى.

وتشير ساندرا سيجرت، عالمة الأعصاب والمشرفة على الدراسة، إلى وجود دراسات سابقة أثبتت أن تخدير الكيتامين يسبب أعراض قلق واضحة لدى إناث الفئران فقط دون الذكور، وهو ما يتطابق مع شكاوى سريرية متفرقة تفيد بأن النساء يعانين من الغثيان والتعب بشكل أكبر بعد هذا البنج. وتضيف سيجرت أن معرفة كيفية اختلاف تأثير الأدوية بين الذكور والإناث أمر بالغ الأهمية لتقديم أفضل علاج طبي آمن وتجنب المضاعفات النفسية والعصبية.

وينعكس هذا التأثير المزدوج على استخدام الكيتامين كعلاج حديث للاكتئاب الحاد، حيث تعتبر مرونة الدماغ مفيدة للغاية لكن زيادتها أو نقصانها عن الحد الطبيعي قد تسبب اضطرابات نفسية خطيرة. ويتساءل بوسيلكا تاسيتش، عالم الأعصاب في معهد ألين لعلوم الدماغ في سياتل والمشارك في الدراسة، عن كيفية توجيه هذه المرونة العصبية بشكل إيجابي لعلاج الاكتئاب، معترفاً بأن العلماء لا يزالون يجهلون الآلية الدقيقة لعمل هذه الأدوية المحفزة للدماغ.

مقالات ذات صلة