اقتصاد

العراق على أعتاب تصدير البنزين.. خطة استراتيجية لإنهاء الاستيراد

مع افتتاح مشروع مصفى الشعيبة، العراق يخطو نحو الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية ويوفر مليارات الدولارات من فاتورة الاستيراد السنوية.

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن اقتراب بلاده من مرحلة تصدير البنزين، في تحول استراتيجي يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية. جاء ذلك خلال افتتاح مشروع حيوي جديد في قطاع التكرير بمحافظة البصرة، يمثل حجر زاوية في خطة الحكومة لتعظيم العائدات من ثروتها النفطية وإنهاء الاعتماد على الاستيراد.

مشروع استراتيجي بتمويل ياباني

تزامنت تصريحات السوداني مع تدشين مشروع وحدة التكسير بالعامل المساعد (FCC) في مصفى الشعيبة بالبصرة، والذي يعمل بطاقة إنتاجية تبلغ 107 آلاف برميل يومياً. ويُعد هذا المشروع جزءاً من خطة أوسع لتوسعة المصافي الوطنية، وهو ما يمهد الطريق أمام العراق ليتحول من مستورد للمشتقات النفطية إلى مُصدّر لها في المستقبل القريب.

يتميز المشروع بكونه أحد أكبر المشاريع في قطاع التكرير العراقي، حيث بلغت قيمته حوالي 3.75 مليار دولار. تم تمويله عبر قرض ياباني ميسر بشروط استثنائية، تشمل فوائد منخفضة وفترة سماح للسداد تمتد لعشر سنوات بعد إنجاز المشروع، مع جدول سداد يمتد لثلاثين عاماً، مما يعكس الثقة الدولية في جدوى المشاريع الاستراتيجية العراقية.

تكمن الأهمية الفنية للمشروع في قدرته على تحويل النفط الأسود الثقيل إلى منتجات نفطية عالية القيمة. ووفقاً لوزير النفط حيان عبد الغني، ستنتج الوحدة 4200 متر مكعب يومياً من البنزين عالي الأوكتان (95)، وأكثر من 2000 متر مكعب يومياً من وقود الغاز، بالإضافة إلى منتجات بيضاء خفيفة أخرى، وهو ما يمثل نقلة نوعية في تكنولوجيا التكرير المحلية.

توفير المليارات وإنهاء فاتورة الاستيراد

يترجم هذا الإنجاز إلى وفورات اقتصادية ضخمة للخزانة العراقية. فبحسب رئيس الوزراء، ستوفر الخطة الحكومية ما يصل إلى 4 مليارات دولار كانت مخصصة لاستيراد الغاز، و6 تريليونات دينار عراقي كانت تُنفق على استيراد المشتقات النفطية. هذه الأرقام تعكس الأثر المباشر لسياسة الاعتماد على الذات في قطاع الطاقة.

ومع تشغيل المشروع بكامل طاقته، سيتوقف العراق بشكل كامل عن استيراد البنزين. وأشار وزير النفط إلى أن فاتورة استيراد هذا الوقود كانت تبلغ 5 مليارات دولار سنوياً عند تشكيل الحكومة، لكنها انخفضت خلال العام الماضي إلى أقل من الربع، ومن المتوقع أن تصل إلى الصفر بحلول نهاية العام الجاري أو مطلع 2026.

طموحات العراق النفطية.. ما بعد الاكتفاء الذاتي

لا تتوقف الطموحات العراقية عند تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل تمتد إلى تحويل 40% من صادرات النفط الخام إلى منتجات عالية القيمة بحلول عام 2030، وهي نسبة تم تحقيق 35% منها بالفعل. هذا التوجه يحول العراق من مجرد مصدر للمادة الخام إلى لاعب رئيسي في سوق المنتجات المكررة، مما يعزز من مكانته الاقتصادية والسياسية.

وتتضمن الخطة مشاريع استراتيجية أخرى مرتقبة، على رأسها مصفاة الفاو الاستثمارية بسعة 300 ألف برميل يومياً، والتي من المتوقع أن تدخل حيز التنفيذ قريباً. هذه المشاريع المتكاملة تؤكد أن العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، يسير بخطى ثابتة لتعزيز سيطرته على كامل سلسلة القيمة في صناعته النفطية.

جهود متكاملة لتعزيز موارد الدولة

تأتي هذه الخطوات ضمن حزمة من الإجراءات التي اتخذتها بغداد لتعزيز مواردها النفطية. وشملت هذه الجهود استئناف ضخ نفط إقليم كردستان عبر تركيا، مما يضع صادرات الإقليم تحت السيطرة الاتحادية ويزيد من الإيرادات الوطنية. وفي الجنوب، يجري تدشين أنابيب بحرية جديدة لزيادة مرونة وقدرة تصدير النفط الخام من الموانئ الجنوبية.

على صعيد استثمارات النفط، يشهد القطاع عودة لافتة لشركات النفط العالمية مثل “إكسون موبيل”، مما يعكس تحسن البيئة الاستثمارية. وتسعى الحكومة العراقية إلى زيادة قدرتها الإنتاجية لتتجاوز ستة ملايين برميل يومياً بحلول 2028، ورفع احتياطياتها المؤكدة إلى أكثر من 160 مليار برميل، لترسيخ مكانة النفط العراقي في الأسواق العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *