الذهب والفضة: موجة جني الأرباح تضرب المعادن الثمينة بعد صعود قياسي

بعد رحلة صعود جنونية حبست الأنفاس، شهدت أسواق المعادن الثمينة مؤخرًا موجة تصحيح مفاجئة، دفعت بأسعار الذهب والفضة للتراجع عن مستوياتها القياسية التي حققتها. فهل هي مجرد استراحة محارب أم إشارة على نهاية الزخم الصعودي الذي طالما بحث عنه المستثمرون في الملاذات الآمنة؟
هذا التراجع جاء مدفوعًا بشكل رئيسي بعمليات جني الأرباح، بعد أن وصلت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذه الأصول في ظل اضطرابات الاقتصاد العالمي.
الذهب يتراجع عن قمة الـ 4000 دولار للأونصة
انخفضت أسعار الذهب عن حاجز الـ 4,000 دولار للأونصة، لتتداول قرب مستوى 3,955 دولارًا يوم الجمعة، بعد أن فقدت 1.6% في الجلسة السابقة. هذا التراجع يأتي في أعقاب موجة صعود استثنائية استمرت لأربعة أيام متتالية، دفعت المعدن الأصفر لتسجيل رقم قياسي بلغ 4,059.31 دولار للأونصة يوم الأربعاء.
وتُشير المؤشرات التقنية إلى أن الذهب ظل في منطقة التشبع الشرائي لمعظم الشهر الماضي، مما دفع العديد من المستثمرين إلى تثبيت مكاسبهم. هذا السيناريو غالبًا ما يحدث بعد ارتفاعات حادة، حيث يفضل المتداولون تأمين أرباحهم قبل أي انعكاس محتمل.
الفضة: تصحيح بعد صعود تاريخي
لم تكن الفضة بمنأى عن هذا التصحيح، حيث تراجعت بعد أن وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1980، مسجلة 51.235 دولار للأونصة يوم الخميس. ورغم هذا التراجع الأخير، إلا أن المعدن الأبيض ما زال يحقق مكاسب هائلة بنحو 70% منذ بداية العام، متفوقًا بذلك على أداء الذهب.
هذه القفزة الكبيرة في أسعار الفضة والذهب جاءت مدفوعة باهتمام متزايد بـ المعادن الثمينة، في ظل مخاوف متنامية من قوة مفرطة في أسواق الأسهم، وضغوط مالية داخل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى التهديدات المتصورة لاستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
الملاذات الآمنة وتراجع الأسهم الأمريكية
تزامن هذا التراجع في أسعار المعادن مع هبوط الأسهم الأمريكية يوم الخميس، وهو ما يثير بعض الاستغراب. فبينما يُعد الذهب عادةً ملاذًا آمنًا خلال اضطرابات السوق، إلا أنه قد ينخفض بالتوازي مع الأصول ذات المخاطر عندما يقوم المستثمرون بتصفية مراكزهم لتغطية خسائر في أماكن أخرى. ومع ذلك، لا يزال الذهب يتجه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية للأسبوع الثامن على التوالي، مما يؤكد على قوته الأساسية.
وفي هذا السياق، علّق كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة “بيبرستون غروب ليمتد”، في مذكرة له قائلًا: “تحرك الذهب والفضة والعملات المشفرة ومعظم أسهم إس آند بي 500 في اتجاه واحد خلال تداولات الولايات المتحدة، وإن كان بدرجات مختلفة، حيث أظهرت الصورة التقنية علامات على انحسار الزخم”.
وأضاف ويستون أن “الزخم القوي الذي أوصل الأسعار إلى قمم جديدة يوماً بعد يوم بدأ يتراجع، إذ حرص بعض المتداولين على تقليص تعرضهم لمراكز ممتدة وتثبيت أدائهم”. هذا التحليل يؤكد على طبيعة السوق التي لا تستطيع الصعود بشكل مستمر دون عمليات تصحيح.
المعادن الثمينة كتحوّط ضد تآكل قيمة العملات
اكتسبت المعادن الثمينة زخماً هائلاً ضمن ما يُعرف بـ “صفقة تدهور قيمة العملات” أو “Currency Debasement Trade”. في هذه الاستراتيجية، يتجه المستثمرون نحو الأصول الآمنة مثل “بتكوين” والذهب والفضة، مبتعدين عن العملات الرئيسية مثل الدولار الأمريكي، التي قد تتأثر بالسياسات النقدية التوسعية.
وتزيد المخاوف من تآكل قيمة الأوراق المالية بسبب التضخم والعجز المالي غير المستدام من جاذبية هذه الأصول التي تُعتبر مخزنًا للقيمة. هذا التوجه يعكس قلقًا عالميًا متزايدًا بشأن الاستقرار الاقتصادي والمالي على المدى الطويل.
وفي أحدث التطورات، تراجع سعر الذهب الفوري 0.6% إلى 3,955.08 دولار للأونصة عند الساعة 12:13 ظهراً في سنغافورة. كما تراجع مؤشر “بلومبرغ للدولار الفوري” 0.1% بعد أن صعد في الجلسة السابقة إلى أعلى مستوى له في 10 أسابيع. وانخفضت الفضة بنسبة 0.6% بعد أن ربحت ما يصل إلى 4.8% يوم الخميس، في حين انخفض كلٌّ من البلاتين والبلاديوم.
ضيق في السوق العالمية للفضة وارتفاع تكاليف الاقتراض
تتحرك الفضة غالباً بالتوازي مع الذهب، إذ تشترك معه في الارتباط العكسي القوي مع الدولار الأمريكي وأسعار الفائدة. ومع ذلك، تتميز الفضة ببعد إضافي كـ “معدن صناعي”؛ حيث تُستخدم بكثافة في الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، والتي تمثل مجتمعةً أكثر من نصف الطلب العالمي على المعدن.
ومن المتوقع أن يتجاوز الطلب العالمي على الفضة العرض للعام الخامس على التوالي في عام 2025، مما يؤكد على مكانتها الاستراتيجية. هذا الطلب الصناعي المتزايد، إلى جانب دورها كملاذ آمن، يمنح الفضة زخمًا فريدًا.
وأصبحت السوق العالمية للفضة في لندن أكثر ضيقاً إلى درجة غير مسبوقة تقريباً، ما أدى إلى ارتفاع حاد في تكاليف الاقتراض. وخلال هذا العام، أثارت المخاوف من احتمال فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على الفضة موجة اندفاع لشحن المعدن إلى أميركا، الأمر الذي استنزف المخزونات في لندن وقلص الكميات المتاحة للاقتراض، مما يزيد من الضغوط على أسعارها.
*تم تعديل الأسعار لتعكس تحركات الأسواق.









