ابتكار غشاء بلاستيكي يمزق الفيروسات فيزيائياً ويمنع انتشار العدوى
تقنية نانوية جديدة تحاكي أجنحة الحشرات للقضاء على العدوى ميكانيكياً

فكر في عدد الأسطح التي تلمسها كل يوم، بدءاً من طاولة المطبخ وصولاً إلى مقابض الحافلات ومكتب العمل وشاشة هاتفك المحمول.
تنتقل مجموعة من الفيروسات الخطيرة والجراثيم بسهولة عبر هذه الأسطح اليومية.
الطريق التقليدي للعدوى يبدأ بلمس سطح ملوث، ثم لمس العينين أو الأنف أو الفم.
بالتأكيد يمكن تنظيف الأسطح بالمواد الكيميائية، لكن مفعولها يزول بسرعة وقد تضر البيئة وتزيد من مقاومة الميكروبات للأدوية بسبب التعرض المتكرر لها.
في دراسة جديدة نشرت في مجلة (Advanced Science) طورنا سطحاً بلاستيكياً رقيقاً ببروزات نانوية متناهية الصغر تحاكي أجنحة الحشرات وتستطيع تمزيق الفيروسات فعلياً خاصة فيروس المبردات التنفسي البشري.
هذه المادة الجديدة توفر وسيلة رخيصة وقابلة للتوسع لتصنيع أسطح الهواتف ومعدات المستشفيات بحيث تصبح أقل عرضة لنشر الأمراض.
تعتمد الطرق الحالية لمكافحة الفيروسات عبر الأسطح على التنظيف لإزالة الأوساخ والتطهير للقضاء على الملوثات غير المرئية.
يجب أن يظل المطهر رطباً على السطح لفترة حتى يقتل الجراثيم، وهذا يمثل تحدياً في الكثير من الأماكن الواقعية.
كما يمكن أن تتلوث الأسطح مرة أخرى بسرعة بمجرد لمسها من أشخاص آخرين، وغالباً ما يتسبب التطهير الكيميائي القاسي في تلف المعدات والبيئة.
طور العلماء سابقاً تعديلات للأسطح المضادة للفيروسات، وشملت دمج مواد مثل الغرافين أو بعض الأحماض الطبيعية في معدات الحماية الشخصية كالكمامات والقفازات والخوذ.
تعتبر هذه الطلاءات فعالة لكنها قد تشكل خطراً على صحة الإنسان وتسبب أضراراً بيئية نتيجة التسرب الكيميائي كما تضعف كفاءتها بمرور الوقت.
بدأت رحلتنا نحو ابتكار سطح يحطم الفيروسات قبل أكثر من عشر سنوات.
كنا نهدف في البداية إلى هندسة سطح أملس لدرجة تجعل الجراثيم تنزلق عنه، لكننا اكتشفنا العكس تماماً حيث تلتصق البكتيريا بسهولة بالأسطح الملساء نانوياً.
تقدم الطبيعة أمثلة لأسطح خالية من البكتيريا مثل أجنحة اليعسوب الطاردة للماء، وهذه الأجنحة لا تكتفي بطرد البكتيريا بل تعمل كمبيدات بكتيرية طبيعية.
بمعنى أنها تقتل البكتيريا فعلياً.
المبيدات البكتيرية الطبيعية هي عوامل مستمدة من البيئة تقتل الجراثيم ولا تكتفي بمنع نموها.
أكدت تجاربنا على أجنحة مطلية بالذهب أن مفعول القتل لا ينتج عن تفاعل كيميائي بل بسبب شكل السطح وتضاريسه.
تجبر هذه الهياكل النانوية غشاء الخلية البكتيرية على التمدد حتى يتمزق في النهاية.
أظهر عملنا السابق أن السيليكون المغطى بمسامير نانوية يدمر الفيروسات عند التلامس، لكن صلابته تمنع استخدامه في تصنيع الأشياء المعقدة.
في هذه الدراسة الجديدة عالجنا المشكلة بابتكار مادة محطمة للفيروسات وخفيفة الوزن ومنخفضة التكلفة ومرنة في الاستخدام.
المادة عبارة عن غشاء أكريليك رقيق مغطى بآلاف الأعمدة الدقيقة جداً، ورغم أنها ناعمة الملمس إلا أن هذه الأعمدة تمسك بغلاف الفيروس وتشده حتى ينفجر بقوة ميكانيكية.
أظهرت الاختبارات المعملية على فيروسات الجهاز التنفسي أن 94% من الجزيئات تم تمزيقها أو إتلافها بالكامل خلال ساعة واحدة من ملامستها للمادة.
اكتشفنا أن المسافة بين الأعمدة النانوية أهم بكثير من ارتفاعها، حيث تعمل الأعمدة المتقاربة بمسافة 60 نانومتراً بشكل أفضل.
يمكن توسيع إنتاج القالب المستخدم لتصنيع هذه المادة ليوفر فرصاً صناعية واسعة، بدءاً من تغليف الأطعمة وصولاً إلى وسائل النقل العام ومعدات المستشفيات.
تعتبر الأسطح ذات الهياكل النانوية متينة، لكنها تظل عرضة للضغوط الفيزيائية والكيميائية والبيئية وتتحلل بمرور الزمن كغيرها من المواد.
لا يزال هناك الكثير لاستكشافه في رحلة البحث عن أسطح مطهرة ذاتياً، لكن هذه التقنية توفر بديلاً قوياً للطرق الكيميائية التقليدية في محاربة الفيروسات.









