اقتصاد

الذهب والفضة في استراحة محارب: جني الأرباح يوقف الصعود التاريخي فهل انتهت موجة الارتفاع؟

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

بعد رحلة صعود أسطورية حبست أنفاس المستثمرين، يبدو أن المعادن النفيسة قررت التقاط أنفاسها. موجة بيع لجني الأرباح ضربت أسواق الذهب والفضة، لتضع حداً مؤقتاً لسباقهما المحموم نحو قمم لم يبلغوها منذ عقود، ما يطرح سؤالاً ملحاً في أروقة المال: هل هي مجرد استراحة محارب أم بداية لتصحيح أعمق؟

هدوء حذر في أسواق الذهب بعد سباق محموم

استقر سعر الذهب عند مستوى نفسي هام، متداولاً قرب 3,980 دولاراً للأونصة، بعد أن شهد تراجعاً في الجلسة السابقة بنسبة 1.6%. جاء هذا الهدوء بعد موجة صعود متتالية استمرت أربعة أيام، توّجت بوصول المعدن الأصفر إلى رقم قياسي غير مسبوق عند 4,059.31 دولار يوم الأربعاء، وهو ما دفع المؤشرات الفنية إلى منطقة “التشبع الشرائي”، لتكون بمثابة إشارة للبعض بأن الوقت قد حان لتأمين الأرباح.

رغم هذا التراجع الطفيف، لا يزال بريق الذهب لامعاً، حيث يتجه بثبات نحو تحقيق مكاسبه الأسبوعية الثامنة على التوالي. هذا المشهد يعكس ثقة المستثمرين العميقة في المعدن كملاذ آمن، حتى في ظل التقلبات قصيرة الأجل التي تدفعهم لتصفية بعض المراكز لتغطية التزامات في أسواق أخرى، مثلما حدث مع هبوط الأسهم الأمريكية الأخير.

الفضة تتراجع من قمة 40 عامًا.. والمستثمرون يقتنصون المكاسب

لم يكن حال الفضة بأفضل من الذهب، بل ربما كان تراجعها أكثر دراماتيكية. فبعد أن لامس سعر الأونصة 51.235 دولاراً يوم الخميس، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1980، دخل المعدن الأبيض في موجة جني أرباح. لكن هذا التراجع لا يمحو الأداء الاستثنائي للفضة هذا العام، حيث لا تزال مرتفعة بنسبة تقارب 70% منذ بدايته، متفوقة بفارق كبير على مكاسب أسعار الذهب.

هذا الاهتمام المتزايد بالمعادن الثمينة لم يأتِ من فراغ، بل تغذيه مخاوف حقيقية من تضخم أسواق الأسهم، وضغوط مالية متزايدة في الولايات المتحدة، وشكوك حول استقلالية قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما يدفع رؤوس الأموال للبحث عن أصول حقيقية تحافظ على قيمتها.

ما وراء التراجع؟ الزخم يفقد بريقه

يرى كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في “بيبرستون غروب ليمتد”، أن ما نشهده هو تراجع طبيعي للزخم. ويوضح في مذكرته: “الزخم القوي الذي كان يدفع الأسعار لقمم جديدة يوماً بعد يوم بدأ يتلاشى، وبدأ بعض المتداولين في تقليص مراكزهم وتأمين مكاسبهم”. ويشير إلى أن حركة الذهب والفضة والأسهم تحركت في نفس الاتجاه الهابط خلال التداولات الأمريكية، مما يعكس رغبة عامة في تقليل المخاطر.

الملاذ الآمن في مواجهة تآكل العملات

اكتسبت المعادن الثمينة شعبيتها ضمن ما يُعرف بـ “صفقة تدهور قيمة العملات”، حيث يهرب المستثمرون من العملات الرئيسية كالدولار، الذي تآكلت قيمته بفعل سياسات التيسير الكمي والعجز المالي المتزايد، ويلجأون إلى أصول مثل الذهب والفضة و”بتكوين” كأدوات تحوّط ضد التضخم. هذا الاتجاه يعززه عدم اليقين الاقتصادي العالمي.

شُح المعروض يضغط على سوق الفضة العالمية

تتمتع الفضة بقصة فريدة تتجاوز كونها مجرد ملاذ آمن. فهي تتحرك بالتوازي مع الذهب، لكنها تمتلك أيضاً محركاً قوياً من الطلب الصناعي، خاصة في قطاعات الطاقة النظيفة. إليك بعض العوامل الأساسية:

  • الاستخدامات الصناعية: تمثل صناعات الألواح الشمسية وتوربينات الرياح أكثر من نصف الطلب العالمي على الفضة.
  • فجوة العرض والطلب: من المتوقع أن يتجاوز الطلب العالمي العرض للعام الخامس على التوالي في 2025، مما يخلق ضغطاً هيكلياً على الأسعار.
  • أزمة في لندن: تشهد سوق الفضة في لندن، أحد أكبر مراكز التداول في العالم، ضيقاً غير مسبوق، مما أدى لارتفاع تكاليف الاقتراض. ويعود ذلك جزئياً إلى اندفاع لشحن كميات ضخمة من المعدن إلى أمريكا خوفاً من فرض رسوم جمركية، مما استنزف المخزونات المتاحة.

في أحدث بيانات التداول، استقر سعر الذهب الفوري عند 3,987.04 دولار للأونصة، بينما حافظ مؤشر بلومبرغ للدولار الفوري على استقراره. وبينما انخفضت الفضة بنسبة 0.2%، شهد كل من البلاتين والبلاديوم تقدماً طفيفاً، في مشهد يعكس إعادة تموضع حذرة للمستثمرين في أسواق المعادن الثمينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *