اقتصاد

الإغلاق الحكومي الأمريكي: واشنطن بين حسابات السياسة وتكاليف الاقتصاد

معركة "أوباماكير" تشعل أطول إغلاق حكومي في تاريخ أمريكا، والاقتصاد والمواطنون يدفعون الثمن.

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

فيما تدخل أزمة الإغلاق الحكومي الأمريكي يومها التاسع والثلاثين، تبدو واشنطن أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، حيث تحولت محاولات إنهاء الشلل الفيدرالي إلى معركة إرادات سياسية مفتوحة، تلقي بظلالها القاتمة على الاقتصاد وحياة ملايين الأمريكيين. ورغم بصيص أمل وجيز في الكونغرس، سرعان ما تبدد التفاؤل، ليؤكد أن الأزمة أعمق من مجرد خلاف على الميزانية.

معركة “أوباماكير”.. جوهر الأزمة المستعصية

جاءت المبادرة الأخيرة من الديمقراطيين، الذين سعوا لاستثمار زخم انتصاراتهم الانتخابية الأخيرة، عبر طرح مقترح يربط إنهاء الإغلاق بتمديد الاعتمادات الضريبية لـقانون الرعاية الصحية الميسرة، المعروف بـ”أوباماكير”، لمدة عام. لكن هذه الخطوة، التي بدت كطوق نجاة، لم تصمد لأكثر من نصف ساعة قبل أن يصفها الجمهوريون بأنها “ولدت ميتة”، مما كشف عن أن جوهر الخلاف ليس ماليًا بقدر ما هو أيديولوجي.

يرى مراقبون أن رفض الجمهوريين القاطع للتفاوض حول “أوباماكير” قبل إعادة فتح الحكومة يعكس إصرار الحزب على تفكيك إرث الرئيس السابق باراك أوباما، حتى لو كان الثمن شللاً حكوميًا باهظ التكلفة. وفي هذا السياق، صرح السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام بأن الهدف هو “تغيير هذا النظام المعطّل”، في إشارة إلى القانون الذي فشل حزبه في إلغائه مرارًا خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى.

تداعيات تتجاوز أسوار “الكابيتول هيل”

مع استمرار الجمود السياسي، بدأت تداعيات الإغلاق الحكومي الأمريكي تتجاوز الموظفين الفيدراليين لتطال قطاعات أوسع من المجتمع. فقد أمرت هيئة الطيران الفيدرالية بتقليص الرحلات الجوية، مما يهدد بإحداث فوضى في المطارات مع اقتراب عطلة عيد الشكر. وفي الوقت نفسه، يواجه ملايين الأمريكيين من ذوي الدخل المحدود تأخيرًا في الحصول على المساعدات الغذائية، بينما ترتفع أقساط تأمينهم الصحي بشكل كبير.

ويُقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن الأزمة تكلف الاقتصاد الأمريكي نحو 15 مليار دولار أسبوعيًا، مع توقعات بانخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي. يقول المحلل الاقتصادي، أحمد مصطفى، في تصريح لنيل نيوز: “لقد تحول الإغلاق من أزمة سياسية في واشنطن إلى صدمة اقتصادية واجتماعية تضرب ثقة المستهلك وتؤثر على استقرار الأسر، وكل يوم يمر يزيد من صعوبة احتواء الضرر”.

حرب إرادات.. من يرمش أولاً؟

يقف كل طرف على أرضه متسلحًا بحساباته. فالديمقراطيون، بقيادة تشاك شومر، يشعرون بأن الرأي العام في صفهم، خاصة مع إظهار استطلاعات الرأي دعمًا واسعًا لتمديد إعانات الرعاية الصحية. في المقابل، يواجه الجمهوريون ضغطًا مزدوجًا: من الرئيس ترامب الذي يدير الأزمة عن بعد من منتجعه في فلوريدا عبر توجيهات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن قاعدة انتخابية ترفض أي تنازل في ملف “أوباماكير”.

ورغم أن استطلاعات الرأي تُحمّل الجمهوريين وترامب مسؤولية أكبر عن المأزق، فإن الانقسام لا يزال قائمًا، مما يجعل من الصعب التنبؤ بالطرف الذي سيقدم التنازل أولاً. لقد تحولت الأزمة إلى اختبار قوة، حيث لا يرغب أي طرف في الظهور بمظهر المهزوم، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة.

في المحصلة، يكشف الإغلاق الحكومي الأمريكي الأطول في التاريخ عن عمق الاستقطاب السياسي الذي تعيشه الولايات المتحدة. فما بدأ كخلاف حول تمويل الحكومة، أصبح اليوم انعكاسًا لصراع أيديولوجي أوسع، حيث تبدو الحلول الوسط بعيدة المنال، وتبقى تكلفة هذا الصراع مفتوحة، يدفعها المواطن والاقتصاد على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *