بين وهم الذكاء الاصطناعي وغرامات المليارات.. لماذا تفشل سلاسل الإمداد في الاختبار الرقمي؟
بين ضغوط الامتثال التنظيمي ومحدودية الأنظمة الرقمية الحالية

كشفت بيانات نشرتها منصة إندستريال أربتراج المتخصصة في سلاسل الإمداد أن الشركات حول العالم سددت ما مجموعه 4.3 مليار دولار كغرامات تنظيمية وعقوبات جمركية خلال عام 2025. وتأتي هذه الخسائر الضخمة في وقت تواجه فيه الشركات ضغوطاً متزايدة للامتثال لقوانين سلاسل الإمداد الأخلاقية والبيئية، مثل توجيه العناية الواجبة للاستدامة للشركات الصادر عن الاتحاد الأوروبي المقرر دخوله حيز التنفيذ التدريجي بين عامي 2027 و2029.
يرى مانموهان سودهي، أستاذ إدارة سلاسل الإمداد في كلية بايز للأعمال بلندن، أن البرامج التي يتم تسويقها اليوم كـ “وكلاء ذكاء اصطناعي” ليست سوى برامج أساسية قديمة تعتمد على نماذج رياضية تقليدية مستخدمة منذ سنوات. وأوضح سودهي أن العمل الفعلي والجهد الأكبر في هذه الأنظمة لا يزال يقع على عاتق النماذج الحسابية التقليدية، وليس الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديث.
أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غارتنر للأبحاث شمل 140 من قادة سلاسل الإمداد أن 17% فقط من الشركات تقوم حالياً بإعادة تصميم عملياتها وهياكل عملها بشكل تحولي لدمج الذكاء الاصطناعي. وتواجه النسبة المتبقية عقبات تتعلق بجاهزية البيانات وقدرات الموظفين المؤهلين للتعامل مع هذه التقنيات.
تشير تقديرات دانييل لوليتش، المدير التشغيلي لشركة فورميك المتخصصة في أنظمة الروبوتات، إلى أن نسبة الأتمتة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تتجاوز 10%. وأضاف لوليتش أن معالجة البيانات الفورية باتت ضرورة ملحة للتعامل مع المتغيرات المفاجئة، مثل أزمات الشحن البحري التي تفرضها التوترات الجيوسياسية الراهنة في الممرات المائية الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهي صدمات تتطلب مرونة لا توفرها الأنظمة القديمة.
يفرض قانون منع العمل القسري للأويغور في الولايات المتحدة متطلبات امتثال صارمة تسببت في احتجاز أكثر من 42 ألف شحنة تجارية بلغت قيمتها نحو 4 مليارات دولار بين عامي 2022 وأبريل 2026، وفقاً لبيانات الجمارك الأمريكية الرسمية. وتتزايد هذه القيود مع إلزام الشاحنات الصغيرة في الاتحاد الأوروبي بتركيب أجهزة تاكوغراف لمراقبة ساعات عمل السائقين لضمان تطبيق قوانين الحد الأدنى للأجور.
حذرت دراسة نشرتها المجلة الدولية لاقتصاديات الإنتاج من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على نماذج اللغات الكبيرة في سلاسل الإمداد، مشيرة إلى أن هذه النماذج توليدية وتعتمد على بيانات غير منظمة، مما يرفع من احتمالات حدوث أخطاء أو ما يُعرف بـ الهلوسة الرقمية. وأكدت الدراسة أن هذه العيوب الهيكلية تجعل من الصعب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المعقدة دون إشراف بشري مستمر.
ترى ماريا خيسوس ساينز، مديرة مختبر تحول سلاسل الإمداد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن مقاومة الموظفين للتغيير تمثل عقبة رئيسية أمام تبني الأتمتة، حيث يخشى العاملون من فقدان وظائفهم أو تراجع أجورهم مما يدفعهم أحياناً إلى مقاومة خوارزميات الذكاء الاصطناعي. وأشارت ساينز إلى أن الشركات الأكثر نجاحاً في هذا التحول هي التي بدأت مسيرتها الرقمية قبل خمس سنوات على الأقل وتواصل تطوير عملياتها بشكل مستمر دون توقف.
نبه مانموهان سودهي إلى وجود مخاطر تشغيلية تتعلق بالاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي المستضافة في السحابة العامة، لاسيما مع غياب السيطرة على تسعير هذه الخدمات وغموض طريقة عمل الخوارزميات الداخلية التي لا يملك مطوروها أنفسهم أحياناً تفسيراً دقيقاً لكيفية إنتاجها للمخرجات.








