أسعار الذهب تنهي الأسبوع على قفزة كبيرة… كيف أججت المخاوف العالمية شهية المستثمرين للملاذ الآمن؟

في نهاية أسبوع حافل بالترقب، لمع بريق الذهب من جديد في الأسواق العالمية، مسجلاً قفزة ملحوظة. لم تكن هذه المكاسب وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة لرقصة معقدة بين بيانات اقتصادية حساسة من واشنطن، ومخاوف جيوسياسية أجبرت المستثمرين على البحث عن شاطئ أمان.
تفاصيل الأداء الأسبوعي.. الأرقام تتحدث
أغلقت أسعار الذهب تعاملات الأسبوع الماضي على إيقاع صاخب، حيث حقق المعدن الأصفر مكاسب أسبوعية تقترب من 3%، في أداء يعكس حالة القلق السائدة. وارتفعت عقود الذهب الآجلة لتستقر عند 3,792.87 دولار للأوقية، بزيادة قدرها 0.58% في جلسة الجمعة وحدها، فيما لحق به الذهب الفوري مسجلاً 3,763.29 دولار للأوقية بزيادة 0.37%.
هذا الصعود لم يكن معزولاً، بل جاء على حساب الدولار الأمريكي الذي فقد بعضاً من قوته. فقد تراجع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الخضراء أمام سلة من ست عملات رئيسية، إلى 98.15 نقطة، متأثراً بالضغوط التي فرضتها البيانات الاقتصادية الأخيرة وتوقعات أسعار الفائدة.
محركات الصعود.. تضخم مستقر ورسوم جمركية جديدة
يمكن تلخيص القصة وراء هذا الارتفاع في عاملين رئيسيين. الأول هو بيانات التضخم الأمريكي، حيث كشفت الأرقام عن استقرار مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (PCE)، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، عند 2.9% في أغسطس، وهو ما جاء أقل بقليل من التوقعات التي أشارت إلى 3%.
هذه القراءة الهادئة للتضخم فسّرها السوق على أنها ضوء أخضر للبنك المركزي الأمريكي لمواصلة سياسة التيسير النقدي وخفض أسعار الفائدة، وهو ما يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً. أما المحرك الثاني، فكان إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حزمة رسوم جمركية جديدة، أبرزها فرض رسوم بنسبة 100% على واردات الأدوية، مما أثار موجة جديدة من القلق حول تباطؤ الاقتصاد العالمي ودفع رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة.
ضغوط معاكسة ومشهد مركب
لكن الصورة لم تكن وردية بالكامل للمعدن النفيس. فقد واجه الذهب خلال بعض جلسات الأسبوع ضغوطاً من جبهات أخرى. فبيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني أظهرت نمواً أقوى من المتوقع للاقتصاد الأمريكي، كما تحسنت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية، وهي مؤشرات أعطت الدولار دفعة مؤقتة وأثارت الشكوك حول مدى حاجة الفيدرالي لخفض الفائدة بقوة.
إضافة إلى ذلك، خرجت تصريحات حذرة من بعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، مشيرين إلى مخاطر التضخم المستمر وضعف سوق العمل، مما أضاف طبقة من التعقيد على توقعات المستثمرين لمسار السياسة النقدية في المستقبل القريب.
نظرة أوسع.. شهية البنوك والصناديق لا تهدأ
بالنظر إلى الصورة الأكبر، يرى محللون مثل خبراء بنك ING أن أداء الذهب القوي هذا العام، الذي حقق مكاسب تقترب من 43%، لم يأتِ من فراغ. فهو مدعوم بتضافر عدة عوامل، منها ضعف الدولار بشكل عام، والمشتريات القوية من قبل البنوك المركزية حول العالم، والتدفقات المستمرة على صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs).
وتؤكد الأرقام هذه الرؤية، حيث ارتفعت حيازات صناديق الذهب المتداولة بأكثر من 12.8 مليون أوقية هذا العام، لتصل إلى إجمالي 96.2 مليون أوقية، وهو أعلى مستوى تسجله منذ أكتوبر 2022. هذا الإقبال الكبير يعكس ثقة المؤسسات الكبرى في الذهب كأداة تحوط أساسية ضد التوترات الجيوسياسية والشكوك الاقتصادية.
بقية المعادن.. أداء متباين
في سوق المعادن النفيسة الأخرى، سار البلاتين والفضة على خطى الذهب، حيث ارتفع البلاتين الفوري بنسبة 1.3% ليصل إلى 1549.95 دولار للأوقية، وزادت الفضة الفورية بنسبة 0.5% لتسجل 45.36 دولار للأوقية. على الجانب الآخر، وفي انعكاس للمخاوف من تباطؤ النمو الصناعي العالمي، تراجعت أسعار النحاس، حيث انخفضت عقوده القياسية في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.5%.








