صحة

خديعة السرطان الفاشلة.. “خلايا المساعدة” بالمناعة تتحول لفرق إعدام حين يختبئ الورم

اكتشاف يقلب موازين الطب: كيف تتحول خلايا المناعة "المساعدة" إلى قاتل محترف للأورام المتخفية؟

محررة في قسم الصحة، تهتم بتغطية القضايا المتعلقة بالغذاء والوقاية وأسلوب الحياة الصحي

الخلايا السرطانية التي كانت تظن أنها نجحت في الاختفاء عن رادار جهاز المناعة وقعت في فخ لم تتوقعه، بعدما اكتشف باحثون في جامعتي Michigan وبيلور الأمريكية أن نوعاً من الخلايا المناعية كان يُعرف بـ “المساعد” فقط، لديه القدرة على تدمير الأورام مباشرة حين تحاول الأخيرة التذاكي والاختباء.

خدعة الورم التي ارتدت عليه

تعتمد الأورام السرطانية في هروبها على إخفاء “بطاقات الهوية” الخاصة بها، وهي بروتينات تُسمى (MHC I) تتواجد على سطح الخلية وتعرفها الخلايا المناعية القاتلة من خلالها، وبمجرد اختفاء هذه البطاقة، تعجز الخلايا القاتلة التقليدية عن رؤية الهدف، لكن المفاجأة كانت في تحرك الخلايا التائية المساعدة (CD4+) للقيام بمهمة القتل بدلاً من مجرد إصدار الأوامر.

جهاز المناعة البشري يعمل مثل جيش متكامل يضم ملايين الخلايا التي تخرج من “نخاع العظام” وتتلقى تدريباتها في الغدة التيموسية، وعندما تضعف فئة من هذه القوات، يغير الجسم استراتيجيته بشكل تلقائي لضمان استمرار المواجهة ضد الأجسام الغريبة.

الباحثون لاحظوا في تجاربهم المخبرية أن غياب بروتين الهوية جعل الخلايا السرطانية أكثر عرضة لهجوم الخلايا المساعدة، وهو ما يقلب موازين علم المناعة المستقر منذ عقود، حيث كان الاعتقاد السائد أن الخلايا المساعدة لا تقتل بنفسها بل تكتفي بتوجيه الخلايا الأخرى نحو الهدف.

سلاح الموت بالحديد

كشفت الدراسة المنشورة في دورية Nature Immunology أن هذه الخلايا تستخدم وسيلة فريدة تسمى “الموت الحديدي” أو (Ferroptosis)، وهي عملية كيميائية تعتمد على تراكم الحديد داخل الخلية السرطانية حتى تنفجر وتتحلل، وهي وسيلة إعدام خلوية تختلف تماماً عن الطرق التقليدية التي تستخدمها الخلايا المناعية الأخرى.

استخدام الجسم للحديد كأداة للقتل المناعي يعد ميكانيكياً دفاعياً متطوراً، حيث يُعرف الحديد بقدرته العالية على الأكسدة، مما يحول الخلية السرطانية إلى بيئة سامة لنفسها، وهو ما يفسر لماذا تفشل بعض الأورام في المقاومة رغم اختفائها الظاهري.

بافان ريدي، العالم المختص في المناعة بكلية بيلور للطب، أكد أن هذا الاكتشاف قد يغير الطريقة التي تُصمم بها العلاجات المناعية الحديثة، فبدلاً من التركيز فقط على تنشيط الخلايا القاتلة التقليدية، يمكن الآن توجيه العلاج لتقوية الخلايا المساعدة لتصبح هي رأس الحربة في الهجوم.

النتائج لم تتوقف عند السرطان فقط، بل امتدت لتفسر ظاهرة “رفض الجسم للأعضاء المزروعة”، حيث تبين أن الخلايا المساعدة تهاجم الأمعاء في حالات زراعة النخاع حين يغيب بروتين الهوية، مما يفتح الباب أمام علاجات جديدة تحمي مرضى زراعة الأعضاء من هجمات جهازهم المناعي الخاطئة.

العلاجات المناعية التي تعد حالياً أغلى وأحدث أنواع علاج السرطان في مصر والعالم، تعتمد فكرتها الأساسية على نزع “الفرامل” عن جهاز المناعة، وهذا الاكتشاف الجديد يضيف زراً جديداً في لوحة التحكم المناعية يسمح بالهجوم حتى في حال اختفاء الهدف خلف ستائر التمويه البروتينية.

الاختبارات التي أجريت على نماذج الفئران وتم التحقق منها عبر قواعد بيانات جينية لمرضى بشريين، أثبتت أن استجابة الخلايا المساعدة تختلف قوتها حسب نوع السرطان، مما يستدعي دراسات سريرية مكثفة لتحديد أي أنواع الأورام ستكون الأكثر تأثراً بهذا السلاح الجديد.

مقالات ذات صلة