فن

جناح السعودية ببينالي البندقية يوثق «جرائم الحرب الثقافية» بـ 29 ألف لبنة طينية

بين عمارة نجد وزخارف بلاد الشام.. كيف صاغت دانا عورتاني احتجاجاً طينياً ضد محو الهوية؟

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

حوّلت الفنانة دانا عورتاني الجناح السعودي في بينالي البندقية إلى «موقع أثري معاصر» يستنسخ ملامح أكثر من 20 موقعاً للتراث الثقافي العربي تعرضت للتدمير الممنهج خلال النزاعات الأخيرة، موظفةً 29 ألفاً و300 لبنة طينية تم تصنيعها يدوياً في قلب الصحراء السعودية. يتجاوز العمل، المعنون «عسى ألا تجف دموعك يا باكي الحجارة»، البعد الجمالي ليتحول إلى توثيق مادي لهوية مهددة بالتمزيق، حيث أعادت عورتاني بناء زخارف الفسيفساء التقليدية التي تعود جذورها التاريخية إلى بلاد ما بين النهرين قبل أن تزدهر في العصر الروماني والبيزنطي، مستخدمةً «اللبن» (الطين المجفف) الذي يمثل الذاكرة المعمارية لمنطقة نجد، بخلاف العمارة الحجرية السائدة في الحجاز.

تتوزع القطع الفنية على مساحة الجناح لتعكس مواقع دُمرت بفعل «عنف بشري عابر للأيديولوجيات»، شملت مساجد وكنائس وكنيساً يهودياً ومباني علمانية في غزة ولبنان وسوريا والعراق. وأكدت عورتاني أن مشروعها لا يستهدف جماعة بعينها، بل يرصد «جرائم حرب» استهدفت التطهير الثقافي، مشيرةً إلى مفارقة تدمير فسيفساء نادرة في غزة عام 2022 بعد عامين فقط من اكتشافها في أرض زراعية، وهو ما تعتبره الفنانة فعلاً يفوق في أثره النفسي القصف المباشر. الذاكرة تخذل البشر أحياناً.

تكون فريق العمل الميداني من 20 حرفياً من المهاجرين الاقتصاديين المقيمين في المملكة العربية السعودية، عملوا لمدة ثلاثة أشهر في ورشة عمل مؤقتة بمدينة الرياض لضمان المناخ الجاف اللازم لتجفيف الطين، بينما تم استيراد قوالب خشبية مصنوعة يدوياً من الهند. اعتمد السرد البصري للعمل على تقنية المسح الأثري، حيث تم ترميز كل قطعة بكود خاص لضمان دقة التثبيت التي استغرقت أسبوعين من العمل المتواصل بمعدل 15 ساعة يومياً، تخللتها عملية إعادة صبغ الأسطح بأكاسيد طبيعية في موقع العرض بفينيسيا.

واجه المشروع تحديات لوجستية معقدة نتيجة التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، حيث كشفت مفوضة الجناح أنطونيا كارفر عن تغيير مسارات الشحن من البحر إلى الجو لتجنب التوترات الملاحية في الخليج، بينما تابعت عورتاني مسارات الصواريخ والقذائف في المنطقة خشية تدمير عمل فني مخصص أساساً لرصد الدمار. تفرض هذه الظروف المحيطة واقعية حادة على العمل الذي يعتمد على «صوت القرمشة» تحت أقدام الزوار الذين يسيرون بين الموزاييك الطيني في ممرات منخفضة، في محاولة لكسر النظرة الاستعمارية التقليدية التي تنظر للمواقع الأثرية من الأعلى، دافعةً الجمهور للانخراط الفيزيائي في غبار التاريخ المفتت.

تعود مرجعيات التصاميم إلى مواقع محورية مثل مئذنة الجامع الأموي في حلب التي دُمرت عام 2013، ومواقع أخرى سقطت خلال موجة الربيع العربي وصعود تنظيم «داعش». وأوضحت عورتاني أن الحرفيين الذين تعاونت معهم يمثلون جوهر استمرارية التراث، خاصة المهجرين قسرياً منهم، معتبرة أن الحفاظ على الحرف التقليدية ودعم الحرفيين اقتصادياً هو الأداة الوحيدة لمواجهة اندثار الهوية المعمارية العربية التي لا تُدرّس في المناهج الأكاديمية الرسمية بل تُنقل عبر الأجيال.

مقالات ذات صلة