إيران: 3000 معتقل بتهم الإرهاب.. اقتصاد منهار وتوتر جيوسياسي يؤججان الاحتجاجات
اعتقالات جماعية وتدهور الريال يفاقمان الأزمة الإيرانية وسط تحذيرات دولية

شهدت إيران اعتقال ما لا يقل عن 3000 شخص، بتهم تتعلق بصلات إرهابية مزعومة، وذلك في خضم موجة الاحتجاجات التي تشهدها البلاد. يعكس هذا الرقم حجم رد فعل النظام ومخاوفه من تحول الشارع إلى تحدٍ مستمر. لم تكن الدوافع سياسية فحسب، بل أدت تدهور قيمة الريال الإيراني وارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الاقتصاد إلى تأجيج حالة من السخط المتراكم، خاصة في المراكز الحضرية.
وجاء الإغلاق القسري للمتاجر في طهران، عقب انهيار العملة، ليكون بمثابة إشارة إنذار: فمع توقف النشاط الاقتصادي، تصبح الاحتجاجات معدية. يضاف إلى ذلك التوتر الخارجي مع واشنطن، الذي يضيف عامل عدم اليقين ويستخدمه النظام كذريعة وتتخذه المعارضة منبراً. تدخل إيران مرحلة تتداخل فيها الاقتصاد والسياسة القمعية والجيوسياسية لتغذي بعضها البعض.
اعتقالات جماعية تحت مسمى الإرهاب
لا يمثل عدد المعتقلين البالغ 3000 شخص مجرد إحصائية أمنية، بل هو أداة سياسية بامتياز. يتيح ربط الاحتجاجات بـ “الإرهاب” للنظام تشديد قبضته الأمنية دون الاعتراف بوجود صراع اجتماعي عميق الجذور. كما يدعم هذا الربط رواية الأمن القومي، حيث يمكن تقديم أي مظاهرة على أنها عمل تخريبي. عملياً، توسع هذه التسمية الهامش القانوني للاعتقالات الوقائية والاستجوابات المطولة والمحاكمات السريعة.
هذه الاستراتيجية ليست بجديدة على طهران، فقد لجأت إليها في أحداث سابقة، بدءًا من احتجاجات أسعار الوقود عام 2019 وصولاً إلى الموجة الاجتماعية في 2022. تمثلت هذه الاستراتيجية في نزع الشرعية عن الاحتجاجات وتفتيتها ورفع تكلفتها الشخصية على المشاركين. لكن ما يميز الوضع الحالي هو المحرك الأساسي للحراك، حيث أصبح السخط أكثر شمولية بسبب الأزمة الاقتصادية التي تضرب شرائح واسعة من المجتمع.
يواجه النظام بذلك خطراً مزدوجاً: فإذا زادت الاعتقالات، تتضاعف حالة الغضب الشعبي، وإذا قلّت، يظهر بمظهر الضعيف. لذا، غالباً ما يصاحب القمع رسالة ضمنية مفادها: “الدولة لن تتنازل”. يبقى السؤال ما إذا كان الشارع لا يزال يصدق هذا التحذير.
انهيار الريال واقتصاد الاستنزاف
تعمل عملية خفض قيمة الريال كصاعق عاطفي. لا يحتاج المواطن إلى إحصائيات رسمية ليدرك الانهيار؛ فهو يلمسه في سعر الخبز، وتكلفة البنزين، والإيجارات، وسوق العملات الأجنبية. خلال الأسابيع الأخيرة، وصفت مصادر في السوق الموازية حركة العملة بأنها “متعثرة”، وهو ما يعادل عملياً فقداناً للقوة الشرائية يصعب استيعابه. وفي بلد يعاني من تضخم هيكلي، يمكن لأي قفزة إضافية أن تكون الشرارة النهائية.
لم يولد السخط في ديسمبر، بل هو تراكمي. ومع تضخم يضعه محللون محليون بين 35% و 45% سنوياً، وبطالة شبابية قد تصل إلى 20%-25%، يتحول الاقتصاد إلى آلة للإحباط. عندما تنهار العملة، تتجمد الأجور وتتبخر التوقعات. التشخيص واضح: الأزمة لم تعد دورية، بل أصبحت يومية.
وتتمثل النتيجة الأكثر تآكلاً في فقدان الثقة. فإذا افترض السكان أن الريال سيستمر في التراجع، تتسارع عملية الدولرة غير الرسمية، ويزداد الطلب على الملاذات الآمنة (الذهب، العملات الأجنبية، السلع المعمرة)، وتتعمق الحلقة المفرغة. ينكمش الاقتصاد، وتشتعل الشوارع.
طهران في حالة توقف: إغلاقات، خوف، واحتجاج
يمثل إغلاق المحال التجارية في طهران عقب انهيار الريال مشهداً ذا قيمة رمزية. فعندما يغلق التاجر أبوابه، لا يقتصر الأمر على الاحتجاج فحسب، بل هو اعتراف بأن الاستمرار في العمل أصبح بلا جدوى. في الاقتصادات التي تعاني من ضغوط نقدية، يكون صغار التجار هم أول من يستشعر الأزمة. فإذا لم يتمكن التاجر من تجديد مخزونه أو إذا غير المورد الأسعار كل بضع ساعات، فإن النشاط يدخل في وضع “البقاء”.
في هذا السياق، تتوقف الاحتجاجات عن كونها ظاهرة هامشية، لتصبح في قلب المدينة وفي صميم الاقتصاد المنزلي. ليس من قبيل المصادفة أن المظاهرات أصبحت حاشدة منذ أواخر ديسمبر؛ فالضغوط المالية تتحول إلى سخط سياسي. وفي المقابل، يفسر النظام الإغلاق على أنه تحدٍ منظم.
يلخص أحد التجار في وسط المدينة، في حديث خاص، معضلة البلاد قائلاً: “الفتح يعني خسارة المال، والإغلاق يعني المخاطرة بالاتهام بالتحريض. نحن محاصرون: اليوم ينهار الريال، وغداً تسأل الشرطة”. والأخطر من ذلك هو تطبيع الخوف. فعندما يصبح الخوف روتيناً، ينقسم المجتمع: البعض ينسحب، والبعض الآخر يتطرف. وعند هذه النقطة، قد يصبح الشارع غير متوقع.
ظل واشنطن وتأثير بوميرانغ التهديدات
في خضم الأزمة، يبرز البعد الدولي كوقود إضافي. فالتصريحات التحذيرية الصادرة من واشنطن، بما في ذلك تلميحات دونالد ترامب حول تدخل محتمل إذا أدت الاحتجاجات إلى وفيات، تضيف عنصراً من الضغط، ولكنها أيضاً تخدم في التلاعب بالروايات. بالنسبة للنظام، أي رسالة خارجية هي ذخيرة لدعم سردية “التدخل الأجنبي”. أما بالنسبة للمتظاهرين، فيمكن قراءتها على أنها رسالة “لستم وحدكم”، على الرغم من أن هذا الدعم نادراً ما يترجم إلى أفعال.
تكمن المشكلة في تأثير “الارتداد”. فعندما ترفع الولايات المتحدة لهجتها، تشدد طهران قبضتها الداخلية بحجة الدفاع عن الأمن القومي. وفي المقابل، قد تبالغ المعارضة في تقدير الدعم الخارجي وتتحمل مخاطر أكبر في الشارع. أما الحلفاء الإقليميون، فيراقبون التطورات ويعيدون حساباتهم. في منطقة تُقاس فيها التوازنات بالانطباعات، يمكن لرسالة واحدة أن تؤدي إلى قرارات حقيقية.
يكشف هذا الواقع عن مفارقة: فالضغط الدولي يهدف إلى احتواء الانتهاكات، لكنه قد يعقد أيضاً إيجاد حل داخلي. فإذا شعر النظام بأن التنازل يعادل الاستسلام للتدخل الخارجي، فإنه يتصلب في موقفه. وإذا تصلب، تتكثف حملة القمع.
دليل الأمن: السيطرة، الردع، والتأديب الداخلي
تسعى استجابة قوات الأمن إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: استعادة السيطرة على الشارع، وإرسال رسالة تحذيرية، وكسر سلسلة التنسيق بين المحتجين. تعمل الاعتقالات الجماعية كرادع فعال، حيث ترفع تكلفة المشاركة في الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه، تتيح هذه الاعتقالات استهداف شخصيات معينة – مثل القادة المحليين والمنظمين والأصوات الرقمية – وتفكيك الشبكات. في الأنظمة ذات هياكل السيطرة الراسخة، لا تهدف الضربة دائماً إلى إنهاء الاحتجاج، بل إلى إدارته.
بالتوازي مع ذلك، يرافق النظام حملة القمع بإجراءات تكتيكية: تعزيز الوجود الشرطي، وتكثيف نقاط التفتيش في المناطق الحساسة، وفرض قيود متقطعة على الاتصالات، وحملة إعلامية لربط الاحتجاجات بالعنف. يخلق هذا المزيج أجواء “حالة الطوارئ” دون إعلانها رسمياً. الرسالة واضحة: لن يتم التعامل مع الاحتجاج كقضية سياسية، بل كتهديد أمني.
ومع ذلك، يكمن الخطر في الاستنزاف المؤسسي. فاعتقال الآلاف يستلزم موارد ضخمة، ويؤدي إلى إرهاق الجهاز القضائي، ويضع ضغطاً هائلاً على السجون. وإذا ظهرت ضحايا أو ادعاءات بوقوع انتهاكات، تتضاعف التكلفة على سمعة النظام. في ظل اقتصاد هش، يحتاج النظام إلى السيطرة، ولكنه يحتاج أيضاً إلى استمرار عمل البلاد. فالقمع الشامل يؤدي إلى الشلل، بينما القمع الجزئي ينشر العدوى. هذا هو المأزق الذي يواجهه.
التأثير الإقليمي: إيران غير مستقرة، والشرق الأوسط أكثر تقلباً
لا تعد إيران دولة عادية في الشرق الأوسط، فاستقرارها الداخلي يؤثر على مسارات الطاقة، وشبكات الحلفاء، وأمن العديد من الأطراف الإقليمية. إذا تصاعدت الاحتجاجات، قد تميل طهران إلى تحويل التركيز نحو الخارج، مما يزيد التوتر مع خصومها أو يكثف وجودها غير المباشر عبر الجماعات الموالية لها. وقد لوحظ هذا النمط في أوقات سابقة: فعندما تتزايد الضغوط الداخلية، تتصلب السياسة الخارجية لتوحيد الصفوف الداخلية.
في المقابل، يفسر خصوم إيران أي ضعف على أنه فرصة سانحة، بينما يراقب حلفاء الولايات المتحدة الوضع بمزيج من القلق والترقب. لهذا السبب، لا يعد هذا الحدث “داخلياً” بحتاً، بل هو جيوسياسي بامتياز. والنتيجة واضحة: ترتفع حدة التقلبات، خاصة إذا ما تم استشعار خطر على النقل البحري والطاقة.
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يؤدي التصعيد المطول إلى ارتفاع أقساط التأمين، والتأثير على التدفقات التجارية، والضغط على أسعار المواد الخام. وحتى مع وصول المؤشرات العالمية إلى مستويات قياسية، غالباً ما يتفاعل السوق بسرعة عندما يتحول عدم اليقين إلى تهديد ملموس. إيران، اليوم، هي النقطة المحورية التي تلتقي فيها العملة والشارع والمنطقة.
حتى الآن، التشخيص لا لبس فيه: طالما استمر الريال في التدهور واستمر القمع في فرض إيقاعه، ستبقى إيران تسير على حبل مشدود. وكل يوم على هذا الحبل يزيد من خطر السقوط.









