نبيل فهمي: العلاقات المصرية الإسرائيلية في أسوأ مراحلها وحرب غزة ترسم خريطة جديدة للتحالفات

في قلب عاصفة جيوسياسية تعصف بالشرق الأوسط، تأتي كلمات السفير نبيل فهمي، وزير خارجية مصر الأسبق، كبوصلة ترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراعات والتحالفات. ففي حوار حصري، يغوص فهمي في أعماق الأزمة، كاشفًا عن أن العلاقات المصرية الإسرائيلية تمر بأسوأ مراحلها، وأن تداعيات حرب غزة لن تقتصر على المنطقة، بل ستعيد تشكيل الساحة السياسية الأمريكية لعقد قادم.
حوار: محمد جعفر
تصوير: محمد معروف
العلاقات المصرية الإسرائيلية.. سلام على صفيح ساخن
يصف السفير نبيل فهمي الوضع الراهن للعلاقات بين القاهرة وتل أبيب بأنه “في أسوأ مراحله”، مؤكدًا أن هذا التدهور لم يأتِ من فراغ. السبب، كما يوضح، هو الخطوات الإسرائيلية العملية على الأرض، والتهديدات المستمرة التي وصفتها مصر مرارًا بأنها تمس الأمن القومي المصري، وعلى رأسها قضية تهجير الفلسطينيين نحو سيناء، والتي قوبلت بتحذير مصري حاسم.
ويشير فهمي إلى أن وصف الرئيس السيسي لإسرائيل بـ”العدو” لم يكن تعبيرًا عابرًا، بل جاء مرتبطًا بالتحذيرات المصرية من المساس بالحدود. ويوضح: “بيننا وبين إسرائيل اتفاقية سلام، والحفاظ عليها هدف استراتيجي، إنما هو سلام بين دولتين تحترمان حدودهما، وإذا كانت إسرائيل لن تحترم الحدود، فهي التي تخالف الاتفاقية وليست مصر”.
إسرائيل أكبر أعدائها.. والغرب يعيد حساباته
يرى فهمي أن أكبر عدو لإسرائيل اليوم هي إسرائيل نفسها بتصرفاتها وتجاوزاتها. فأحداث غزة، حسب قوله، قضت على صورة إسرائيل كطرف ضعيف مهدد، وكشفتها كقوة احتلال، وهو ما غير الرؤية الغربية بشكل جذري، خاصة لدى الأجيال الشابة التي لم تشهد حروبًا كانت فيها إسرائيل الطرف الأضعف.
هذا التحول في الرأي العام الغربي، والذي تظهره استطلاعات الرأي بتفضيل 60% من الشباب الأمريكي لحماس على إسرائيل، بدأ يؤثر تدريجيًا على المواقف السياسية. ويستشهد فهمي بموجة الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية كدليل عملي على هذا التغيير، داعيًا إلى البناء على هذه القرارات والتقارير الدولية التي وثقت جرائم التهجير والإبادة للضغط على إسرائيل ومحاسبتها وفقًا لـ القانون الدولي.
ترامب والانعزالية الأمريكية.. كيف يرى وزير خارجية مصر الأسبق مستقبل العالم؟
في تحليله للمشهد الأمريكي، يعتبر فهمي أن دونالد ترامب هو “أعراض المشكلة وليس المشكلة ذاتها”، وأن انتخابه يعكس أزمة مجتمعية عميقة في أمريكا. ويكشف أن ترامب هدد مصر أكثر من مرة بقطع المساعدات العسكرية للضغط عليها، لكنه كان يتراجع لأنه يدرك أنه سيخسر كثيرًا بتنفيذ تهديده، فاستقرار المنطقة يعتمد بشكل كبير على الدور المصري.
ويحذر فهمي من أن الساحة السياسية الأمريكية مقبلة على إعادة تشكيل واسعة، ولن تستقر قبل عشر سنوات على الأقل، وهو ما يعني اضطرابًا للعالم أجمع. ويرى أن توجه ترامب نحو الانعزالية، وتقليص دور المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة التي باتت أقل فاعلية، سيضر بالجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها التي تعد أكبر مستفيد من العولمة.
“الناتو العربي” وإعادة رسم التحالفات.. هل يستعيد العرب زمام المبادرة؟
يؤكد فهمي أن الضربة الإسرائيلية على الدوحة كانت رسالة للجميع بأنه لا يوجد طرف محصن، مما يعزز التفكير العربي في إعادة تشكيل خريطة التحالفات. ويعرب عن دعمه لفكرة تشكيل قوة عربية مشتركة أو ما يعرف بـ “الناتو العربي”، لكنه يضع شرطًا أساسيًا لنجاحها: أن تتجاوز العامل العسكري لتكون مبنية على قوة سياسية واقتصادية.
ويشدد على خطأ الاعتماد المبالغ فيه على أطراف خارجية، داعيًا العرب لامتلاك قدرات ذاتية تسمح لهم بالمبادرة. ويحدد ثلاثة محاور أساسية للقوة والتأمين لأي دولة:
- المحور الوطني: الاعتماد على القدرات الذاتية أولًا.
- المحور الإقليمي: دعم ذلك بعلاقات إقليمية قوية ومستقرة.
- المحور الدولي: التحرك في إطار منظومة دولية تحترم القانون.
هذا التوجه، برأيه، هو السبيل الوحيد لتعطيل أي مسعى إسرائيلي عنيف، ويجعل من التطبيع الكامل للعلاقات، الذي تضمنه اتفاقيات أبراهام، أمرًا مستحيلًا في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات.
ملفات شائكة على طاولة الدبلوماسية المصرية.. من طهران إلى أديس أبابا
يتطرق فهمي إلى الدور المصري في الملفات الإقليمية المعقدة، مشيرًا إلى وجود رغبة مصرية في تهدئة الأمور مع إيران ومنع استخدام العنف، وهو ما تجسد في الجهد المصري الناجح للوصول إلى اتفاق بين طهران ووكالة الطاقة الذرية. ويؤكد أنه “لن يكون هناك استقرار في المنطقة بدون علاقات خليجية إيرانية مستقرة”.
وفيما يخص الملف الإفريقي، يرى أن هناك اهتمامًا مصريًا متزايدًا بالقارة، خاصة في دول الجوار ودول حوض النيل، لكنه يطالب بالمزيد من التحركات. وحول أزمة سد النهضة، يشدد على أن الدولة المصرية ستتخذ كافة الإجراءات السياسية والقانونية المتاحة، مؤكدًا أن “مسألة المياه بالنسبة لمصر مسألة حياة أو موت”.
قوة مصر الناعمة.. رؤية للمستقبل من مهندس الدبلوماسية
في ختام حواره، يتحدث السفير نبيل فهمي عن مسيرته التي جمعت بين دراسة الفيزياء وتأسيس مناصب دبلوماسية مستحدثة، مرجعًا ذلك إلى فضوله العلمي ورغبته الدائمة في الربط بين التكتيك والاستراتيجية. ويؤكد أن أقوى أداة سياسية لمصر هي قوتها الناعمة المتمثلة في ثقافتها وحضارتها، والتي يجب تعزيزها باستمرار.
ويقدم فهمي رؤيته لمستقبل الدبلوماسية المصرية، داعيًا إلى تعزيز التواصل مع الشعب، وتشجيع التفكير المستقبلي داخل أروقة وزارة الخارجية، لإعداد كوادر قادرة على استشراف التحديات ورسم السياسات برؤى أعمق، فالمبادرة دائمًا يجب أن تأتي من صاحب الإقليم وليس كرد فعل على تحركات الآخرين.









