عرب وعالم

السيف الصيني الحاد.. كيف تعيد مسيّرة GJ-11 الشبحية رسم خرائط القوة الجوية؟

صحفي في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

في قلب بكين، وتحت أنظار العالم، لم يكن مرورها مجرد استعراض للقوة، بل إعلان صريح عن فجر جديد في حروب الجو والبحر. إنها المسيّرة الشبحية GJ-11، أو “السيف الحاد”، السلاح الذي قد يمنح الجيش الصيني تفوقًا استراتيجيًا لم يسبقه إليه أحد في سباق التسلح العالمي.

من ميدان تيانانمن إلى أسطح حاملات الطائرات

عندما انطلق موكب يوم النصر في بكين، كانت الأنظار معلقة على أحدث ما في الترسانة العسكرية الصينية. ومن بين هذه العجائب التكنولوجية، برزت طائرة شبحية بدون طيار تحمل الرقم 21 على هيكلها، وهي مسيّرة GJ-11 التي أصبحت حديث الخبراء العسكريين. لم تكن مجرد طائرة، بل كانت رسالة واضحة عن طموحات بكين البحرية.

التفاصيل الدقيقة هي ما كشف القصة الأكبر. نظرة فاحصة على أجنحة الطائرة أظهرت وجود مفصلات قابلة للطي، وهو تغيير جوهري عن ظهورها الأول عام 2019. هذا التعديل البسيط يحمل دلالة هائلة: أن هذا الطراز، الذي قد يُعرف باسم GJ-21، ليس مصممًا للمطارات البرية فحسب، بل جرى إعداده للانطلاق من على أسطح حاملات الطائرات أو السفن الهجومية البرمائية.

وما يؤكد هذه الفرضية هو ظهور شعار يشبه تصميم جناح المسيّرة الفريد على السفينة “Sichuan”، وهي أول سفينة إنزال برمائية من طراز Type 076 تابعة للبحرية الصينية. هذه السفينة، التي يطلق عليها بشكل غير رسمي “حاملة الطائرات المسيّرة”، مجهزة بمقلاع كهرومغناطيسي، مما يجعلها المنصة المثالية لإطلاق وحش تكنولوجي مثل “السيف الحاد”.

بصمة شبحية.. مواصفات ترسم ملامح التفوق

نشأت مسيّرة GJ-11 من رحم مشروع “السيف الحاد” الذي بدأته شركة Shenyang عام 2009، وتولت إنتاجها مجموعة Hongdu، وكلاهما تحت مظلة شركة صناعة الطيران الصينية (AVIC) المملوكة للدولة. بعد رحلتها الأولى في 2013، وكشف النقاب عنها رسميًا في 2019، دخلت الطائرة الخدمة في سلاح الجو لتثبت قدراتها.

بجسد يمتد لعشرة أمتار وجناحين بعرض 14 مترًا، صُممت GJ-11 لتكون شبحًا يصعب رصده. يعود الفضل في ذلك إلى تصميم “الجناح الطائر” وهيكلها المتكامل الذي يقلل من مقطعها الراداري. ولتعزيز قدرتها على التخفي، زودت بمدخل هواء علوي على شكل حرف S لمنع موجات الرادار من الارتداد عن شفرات المحرك، بينما تقلل فوهة العادم المسطحة والمحمية من بصمتها الحرارية والرادارية.

لم تتوقف قدراتها عند التخفي، فخلال عرضها في معرض تشوهاي الجوي 2021، كشفت الطائرة عن حجرتين داخليتين للأسلحة، مما يسمح لها بحمل مجموعة متنوعة من الذخائر، من صواريخ كروز إلى القنابل الموجهة بدقة، دون التأثير على بصمتها الشبحية. وبمدى قتالي يتجاوز 1500 كيلومتر، يمكنها تغطية مناطق حيوية مثل بحر الصين الشرقي والجنوبي، ويمتد هذا النطاق إلى أبعد من ذلك عند إطلاقها من عرض البحر.

عقل اصطناعي في قلب المعركة

لطالما كان الذكاء الاصطناعي حجر الزاوية في استراتيجية الصين لتطوير أسلحة الجيل القادم، وتعتبر GJ-11 تجسيدًا حيًا لهذه الرؤية. تتمتع الطائرة بقدرة عالية على التحكم الذاتي، حيث يمكن لخوارزميات متقدمة التحكم في عمليات الإقلاع والهبوط وتنفيذ المهام بشكل مستقل، مما يقلل الاعتماد على التدخل البشري إلى الحد الأدنى.

هذا العقل الاصطناعي قادر على تخطيط المسارات، والتعرف على الأهداف وتتبعها، وإطلاق الذخائر، مما يفتح الباب أمام تكتيكات قتالية جديدة. فبدلاً من أن تكون مجرد أداة، تعمل المسيّرة كعقدة في شبكة قتالية أوسع، تتبادل المعلومات لحظيًا مع الوحدات الأخرى لتحقيق وعي كامل بساحة المعركة.

رفيق السلاح المخلص.. تكتيكات جديدة للمستقبل

أحد أكثر الأدوار إثارة التي قد تلعبها GJ-11 هو دور “الجناح المخلص” (Loyal Wingman). في هذا المفهوم، تحلق المسيّرة إلى جانب مقاتلة مأهولة من الجيل الخامس أو السادس، وتعمل كامتداد لقدراتها. يمكنها أن تكون “عين” المقاتلة في مناطق الخطر الشديد، أو رأس الحربة الذي يخترق دفاعات العدو الجوية، أو حتى مخزن أسلحة إضافي يوفر قوة نارية هائلة.

وعندما تعمل في أسراب، يمكن لهذه الطائرات التنسيق فيما بينها لشن هجوم جماعي ساحق أو العمل كمحطات ترحيل للبيانات، مما يخلق شبكة معلومات متكاملة ومرنة في سماء المعركة. هذا التناغم بين الإنسان والآلة هو ما يعيد تعريف قواعد الاشتباك الجوي.

سباق عالمي على الريادة.. أين تقف GJ-11؟

بينما يتسابق العالم لتطوير هذه التكنولوجيا، يبدو أن الصين قد قطعت شوطًا كبيرًا. حتى الآن، لا توجد طائرة مسيّرة شبحية قتالية محمولة على متن سفينة في الخدمة الفعلية في أي مكان آخر. البحرية الأمريكية عملت على مشاريع مثل X-47B، لكن طائرتها الأحدث MQ-25 Stingray التي صممتها شركة بوينج هي ناقلة وقود شبحية وليست مقاتلة.

في روسيا، دخلت Sukhoi S-70 Okhotnik-B الخدمة لكنها مخصصة للعمليات البرية. أما في أوروبا، فلا تزال مشاريع مثل nEUROn الفرنسية وTaranis البريطانية في مراحل الاختبار. هذا يضع المسيّرة الصينية GJ-11 في موقع فريد، حيث قد تكون الأولى من نوعها التي تدخل الخدمة التشغيلية من على متن السفن، مما يمنح البحرية الصينية أداة قوية قد تغير موازين القوى في البحار لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *