عرب وعالم

عاصفة التعريفات الجمركية تهز العالم.. كيف تهدد السياسات التجارية النمو الاقتصادي العالمي؟

يخيم شبح من الغموض على مستقبل الاقتصاد العالمي، ليس بسبب أزمة مالية تقليدية، بل بفعل عاصفة من السياسات التجارية والتعريفات الجمركية التي تثير قلق الأسواق والمستثمرين. هذه الإجراءات القسرية تضع الجميع في حالة ترقب، معلقة قرارات كبرى قد ترسم ملامح النمو للسنوات القادمة.

في قلب هذه العاصفة، تقف الشركات حائرة والمستهلكون في حذر، بينما تحاول البنوك المركزية تلمس طريقها بين كبح جماح التضخم وإنعاش محركات النمو. إنه مشهد معقد يدفع بالاقتصاد العالمي نحو منعطف حاسم، حيث كل قرار سياسي قد يتحول إلى موجة تصيب سلاسل الإمداد والأسواق المالية على حد سواء.

تقرير قاتم يرسم ملامح المستقبل

في تقرير حديث دق ناقوس الخطر، كشفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تتخذ من باريس مقرًا لها، عن توقعات متشائمة تعكس حجم التحدي. جهود الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لإعادة هندسة التجارة العالمية عبر التعريفات الجمركية العقابية، لم تكن مجرد مناوشات عابرة، بل تحولت إلى رياح معاكسة تدفع الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى نحو تباطؤ مقلق.

التقرير، الذي صدر يوم الثلاثاء، وضع بالأرقام ما كانت الأسواق تهمس به، حيث أشار إلى أن هذه السياسات تؤدي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتكبح جماح الاستثمار والتجارة العالمية. المفارقة أن المنظمة لاحظت صمودًا نسبيًا للاقتصاد في النصف الأول من 2025، لكنها فسرته بأنه نتيجة سباق الشركات لتمرير بضائعها قبل أن تسقط عليها مطرقة الرسوم الجمركية.

  • توقعت المنظمة أن يتباطأ النمو الاقتصادي العالمي إلى 3.2% هذا العام، مقارنة بـ 3.3% في 2024.
  • حذرت من أن الأثر الكامل للتعريفات، التي وصلت إلى 50% على سلع استراتيجية كالصلب والألومنيوم، سيظهر تباعًا ليخفض النمو إلى 2.9% بحلول 2026.
  • أكد التقرير أن الحواجز التجارية المرتفعة والغموض الجيوسياسي يظلان الخطر الأكبر الذي يواجه النشاط الاقتصادي في معظم الدول.

غياب البوصلة.. كيف يشل الغموض مفاصل الاقتصاد؟

في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، يصف ميشال صليبي، رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، المشهد بدقة قائلًا إن غياب الوضوح هو “أبرز مصادر القلق”. هذا القلق ليس مجرد شعور عابر، بل له انعكاسات ملموسة نراها في تقلبات أسعار الذهب والأسهم، وفي لجوء المستثمرين إلى استراتيجيات دفاعية لحماية محافظهم الاستثمارية.

يوضح صليبي أن هذا الغموض ينسحب مباشرة على قرارات الشركات الكبرى، التي تفضل تأجيل خططها التوسعية والاستثمارية، مما يضغط على عجلة التوظيف. كما أن الاضطراب في سلاسل الإمداد يجبر المصنعين على البحث عن بدائل أكثر تكلفة، وهو ما يترجم في النهاية إلى ارتفاع في أسعار السلع يلمسه المستهلك في حياته اليومية.

الأخطر من ذلك، كما يرى صليبي، هو الأثر النفسي الذي يسبق القرارات الفعلية. فمجرد التلويح بفرض رسوم جديدة يخلق موجة من التقلبات في أسواق العملات والسلع، ويدفع السيولة نحو الملاذات الآمنة، مما يعمق حالة عدم الاستقرار ويجعل من الصعب على أي اقتصاد، مهما بلغت قوته، رسم مسار واضح للمستقبل.

معضلة التضخم.. نار تحت الرماد

لا تتوقف التداعيات عند تباطؤ النمو، بل تمتد إلى معضلة التضخم. ألفارو بيريرا، المدير التنفيذي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كان واضحًا في تصريحاته لشبكة “سي إن بي سي” حين قال إن “صدمة التعريفات الجمركية تجلب المزيد من الضغوط التضخمية”. هذا يعني أن المواطن العادي والشركات سيدفعون فاتورة هذه السياسات مرتين: مرة عبر تباطؤ النشاط الاقتصادي، ومرة عبر ارتفاع الأسعار.

هذه المعضلة تضع البنوك المركزية في موقف لا تحسد عليه، خاصة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فبينما يتطلب تباطؤ النمو سياسات نقدية تيسيرية، يفرض شبح التضخم الناجم عن الرسوم سياسات متشددة، مما يرفع من مخاطر الدخول في مرحلة الركود التضخمي، وهو سيناريو كابوسي يجمع بين أسوأ ما في العالمين: ركود اقتصادي وتضخم مرتفع.

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي أنور القاسم أن هذه السياسات لا تقوض النمو فحسب، بل تضعف “مرونة الاقتصادات” وقدرتها على امتصاص الصدمات المستقبلية. ويستشهد بتحذيرات كريستالينا غورغيفا، رئيسة صندوق النقد الدولي، من أن استمرار الحرب التجارية قد يدفع العالم نحو ركود حقيقي، مما يحول المخاطر النظرية إلى واقع مؤلم.

وفي خضم هذه التجاذبات، لا يبقى الأثر اقتصاديًا فحسب، بل يمتد إلى الجغرافيا السياسية. فمع سياسات ترامب التي يراها البعض معجّلة بتحالفات جديدة مناوئة للنظام العالمي القائم، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن على أعتاب مجرد تباطؤ اقتصادي، أم بداية إعادة تشكيل لخريطة القوة في العالم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *