عرب وعالم

غزة: الموت على أبواب المساعدات.. قصة عبد الله تكشف ثمن البحث عن لقمة العيش

في غرفة فارغة تفوح منها رائحة الغياب، يحتضن أبٌ حقيبة ابنه المدرسية. إنها كل ما تبقى من عبد الله، الشاب الذي خرج باحثًا عن طعام لإخوته، فعاد شهيدًا برصاصة أنهت أحلامه على أعتاب مراكز توزيع المساعدات في غزة، تاركًا وراءه قصة تختزل وجع قطاع بأكمله.

“تفضّلْ بالدخول، هذه غرفة عبد الله”.. بهذه الكلمات المكسورة يرحب بنا ضياء، رب الأسرة الذي يعيش في أحد مخيمات اللجوء بوسط غزة. وجهه المضياف لا يستطيع أن يخفي حزنًا عميقًا يسكن عينيه، ففي الثاني من أغسطس، فقد ابنه البكر عبد الله، ابن الـ 19 ربيعًا، برصاصة غادرة بينما كان ينتظر دوره في طابور الأمل.. طابور المساعدات.

يحتضن ضياء حقيبة ابنه المدرسية، يستنشق رائحته التي لم تغادرها بعد، ويتمتم: “ابني الغالي. ليرحمك الله يا بُنيّ”. يغوص في بحر من جلد الذات، مسترجعًا آخر حوار دار بينهما: “قال لي أريد الذهاب، فقلت له بالله عليك لا تذهب. لكننا كُنّا في حاجة للمساعدات. لقد ضحّيتُ بابني الأكبر في سبيل إطعام إخوته”.

جوع يطرق الأبواب.. والموت يتربص في الطوابير

لم يكن ذهاب عبد الله مغامرة، بل ضرورة قاسية فرضتها المجاعة في غزة التي تحاصر القطاع. فمع منع إسرائيل دخول الغذاء والمساعدات الحيوية، تحولت مراكز التوزيع التي تديرها “مؤسسة غزة الإنسانية” – المنشأة بإشراف إسرائيلي أمريكي – إلى شريان الحياة الوحيد، وفي الوقت نفسه، مصيدة للموت.

يروي معاذ، صديق طفولة عبد الله ورفيقه في رحلته الأخيرة، تفاصيل تلك الليلة المشؤومة. وصلا معًا قبل الفجر إلى مركز التوزيع رقم 4، وانتظرا قرب مبنى مهدم. ابتعد عبد الله خطوات ليقضي حاجته، وعلى بعد 30 مترًا فقط، دوى صوت الرصاص ليسقط غارقًا في دمائه. يقول معاذ بحرقة: “هرولت نحوه رغم كثافة النيران، ظل على قيد الحياة لعشر دقائق قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي”.

كان عبد الله شابًا يفيض بالحياة، مفكرته المدرسية تشهد على طموحه بتحصيل 95% في الامتحانات. صوره تظهره أنيقًا، مبتسمًا، يرى مستقبلاً أمامه حتى في ظل أصعب الظروف. لكن أحلامه، مثل أحلام آلاف الشباب، تبخرت في لحظة بحث عن لقمة عيش.

روايات متضاربة.. الحقيقة بين شهود العيان والنفي الرسمي

عندما توجهنا بالسؤال للجيش الإسرائيلي عن مقتل عبد الله، جاء الرد باردًا ومقتضبًا بأنهم “لا يتعمدون إطلاق النار على أبرياء مدنيين”. كذلك نفت “مؤسسة غزة الإنسانية” علمها بأي حالة موثقة لإطلاق نار على مدنيين قرب مراكزها، وهو نفي يتصادم بشكل صارخ مع الواقع الدامي على الأرض.

فبحسب بيانات منظمة “أكليد” لمراقبة الصراعات، ارتفع عدد الشهداء الفلسطينيين خلال سعيهم للحصول على المساعدات من متوسط 30 شخصًا شهريًا، إلى 500 شهيد شهريًا منذ أن بدأت هذه المؤسسة عملياتها. وهو ما يعني أن ما لا يقل عن 1,300 فلسطيني استشهدوا في محيط مراكز توزيع المساعدات أو داخلها، معظمهم بنيران الجيش الإسرائيلي.

هذه الأرقام المروعة يصفها الجيش الإسرائيلي بـ “المبالغ فيها والكاذبة”، ويلقي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باللوم على وكالات الأمم المتحدة، متهمًا إياها بالفشل في التوزيع، وهي اتهامات تنفيها الأمم المتحدة جملة وتفصيلًا، مؤكدة أنها لم تتلق أي دليل على مزاعمه.

وراء الكواليس.. شهادات مسربة من قلب الجحيم

للوصول إلى الحقيقة، تحدثنا إلى شهود من قلب العملية. “جون” (اسم مستعار)، سائق شاحنة يعمل لصالح المؤسسة، وصف الأجواء بأنها أشبه بـ “قواعد عسكرية على الجبهة”. يقول جون، الذي سجل مقاطع فيديو سرية بهاتفه: “في كل ليلة عملت فيها، كان هناك إطلاق نار كثيف. إنه تكنيك قاتل للسيطرة على الحشود الجائعة”.

أما “ميخائيل” (اسم مستعار)، وهو جندي في الجيش الإسرائيلي خدم في أحد المراكز، فقد كشف عن سياسة “الخطوط الوهمية”. يشرح قائلًا: “هناك خط أخضر، ثم خط أحمر. عند عبور الأخضر، نطلق طلقات تحذيرية. أما عند عبور الأحمر، فالأمر يستدعي استخدام القوة المميتة”. يعترف ميخائيل بأن هذه الخطوط لم يتم الاتفاق عليها مع الفلسطينيين، وأن الفوضى وسوء التنظيم كانا السمة الغالبة.

شهادة أخرى صادمة جاءت من الدكتور توفيق عمر، جراح مصري يعمل في بريطانيا وعاد مؤخرًا من غزة. يقول: “كان الناس يصلون إلى المستشفى من مراكز التوزيع، مصابين بطلقات نارية مباشرة. كانوا يقولون بوضوح إنهم رأوا عناصر الأمن أو الجيش الإسرائيلي يطلقون النار مباشرة على الحشود”.

تغطية من خلف الحصار.. كفاح الصحافة لنقل الحقيقة

إن إيصال قصة عبد الله وهذه الشهادات لم يكن بالأمر الهين. فإسرائيل تفرض حصارًا إعلاميًا مشددًا، وتمنع المؤسسات الصحفية من الدخول بحرية لتغطية الأحداث. لولا العمل البطولي للصحفيين الفلسطينيين على الأرض، الذين دفع أكثر من 248 منهم حياته ثمنًا لنقل الحقيقة، لما عرف العالم شيئًا مما يحدث.

اعتمدنا في تحقيقنا على هؤلاء الصحفيين الشجعان، وقمنا بتوجيههم عن بعد، ثم تحليل المواد التي أرسلوها باستخدام تقنيات الاستخبارات مفتوحة المصدر، وصور الأقمار الصناعية، وتحليل المقذوفات الصوتية. كل ذلك للتحايل على القيود ومحاولة رسم صورة أقرب ما تكون للواقع المرير.

يقول فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان: “لدينا دليل دامغ على استشهاد مئات الأشخاص أثناء محاولتهم الوصول للمساعدات. هذا أمر غير مقبول، ويمثل انتهاكًا شديد الخطورة ليس فقط لـالقانون الدولي الإنساني، بل للقانون الدولي لحقوق الإنسان كذلك”.

بينما تبقى غرفة عبد الله شاهدة على حلم لم يكتمل، وحقيبته تروي قصة جوع لم يُسد، يظل السؤال معلقًا في سماء غزة المكلومة: إلى متى سيظل ثمن لقمة العيش رصاصة تخترق قلب شاب بريء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *