فن

معرض الشارقة للكتاب: حين تتكلم الرواية سياسة وتاريخًا

من نكبة فلسطين إلى أسرار الفراعنة.. كيف تعكس الإصدارات الجديدة في معرض الشارقة نبض العالم العربي؟

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في اخبار الفن والثقافة.

في قلب الحدث الثقافي الأبرز بالمنطقة، لم تكن منصات توقيع الكتب في معرض الشارقة الدولي للكتاب مجرد احتفاء بإصدارات جديدة، بل كانت أشبه بمرآة تعكس التيارات الفكرية والسياسية التي تشغل الوجدان العربي. فمن خلال الزخم الكبير الذي شهده ركن التواقيع، برزت خطوط سردية كبرى تتنقل بين توثيق المأساة الفلسطينية واستعادة أمجاد التاريخ الفرعوني، وصولًا إلى الغوص في تفاصيل الهوية الإماراتية المتجذرة.

السردية الفلسطينية.. ذاكرة لا تموت

جاء توقيع الكاتب الكبير محمد سلماوي، الذي تم اختياره شخصية العام الثقافية، على روايته الجديدة «الخرز الملون» ليمثل نقطة ارتكاز فكرية في المعرض. فالرواية، التي تقتفي أثر سيدة فلسطينية خلال أيام النكبة، لا تقدم مجرد عمل أدبي، بل تُعد وثيقة إنسانية وسياسية تعيد تأكيد حضور القضية الفلسطينية في ضمير الثقافة العربية. يرى مراقبون أن اختيار هذا التوقيت لإصدار عمل بهذا العمق يحمل دلالة رمزية، تؤكد أن الأدب لا يزال السلاح الأكثر قدرة على مقاومة النسيان وتدوين التاريخ من وجهة نظر أصحابه.

التاريخ المصري حاضرًا بقوة

على صعيد آخر من السرديات التاريخية، أعاد عالم الآثار الشهير الدكتور زاهي حواس تقديم التاريخ المصري القديم للقارئ العربي بأسلوب مبسط وعميق. فمن خلال مؤلفاته مثل «100 حقيقة في حياة الفراعنة» و«اسأل عالم آثار»، لا يكتفي حواس بسرد المعلومات، بل يسعى إلى بناء جسر معرفي بين المواطن العربي وتاريخه، في خطوة تهدف إلى ترسيخ الهوية ومواجهة السرديات الغربية حول الحضارة المصرية. هذا الحضور يعكس اهتمامًا متزايدًا في الأوساط الثقافية العربية بإعادة اكتشاف الذات عبر بوابات التاريخ العريق.

التراث الإماراتي.. حوار بين الأصالة والمعاصرة

لم يغب التراث المحلي عن المشهد، بل كان حاضرًا بقوة من خلال إصدارات معهد الشارقة للتراث، التي تنوعت بين توثيق الأمثال الشعبية والمعتقدات المحلية والتقاليد الاجتماعية. إصدارات مثل «حكايات الأمثال الشعبية الإماراتية والخليجية» و«المعتقدات الشعبية في دولة الإمارات» لا تمثل مجرد جمع للموروث، بل هي محاولة واعية لصون الهوية الثقافية في مواجهة رياح العولمة. يقول الدكتور أحمد المنصوري، المحلل الثقافي، إن “هذا الجهد التوثيقي يعكس رؤية استراتيجية لدى معهد الشارقة للتراث تدرك أن الحفاظ على المستقبل يبدأ بفهم الماضي وتكريمه”.

الأدب كمرآة للمجتمع

إلى جانب السرديات الكبرى، كشفت حفلات التوقيع عن توجه متنامٍ نحو الأدب الذي يغوص في أعماق النفس البشرية والعلاقات الاجتماعية المعقدة. أعمال مثل المجموعة القصصية «خوف بارد» للكاتبة عائشة سلطان، ورواية «لا تقتلني مرتين» لأسماء الزرعوني، تطرح أسئلة حول القلق الإنساني والعلاقات المتقلبة في واقع متغير، مما يؤكد أن الرواية العربية المعاصرة تتجه بشكل متزايد نحو استكشاف عوالم الداخل بقدر اهتمامها بقضايا الخارج.

في المحصلة، تجاوزت فعاليات توقيع الكتب في معرض الشارقة الدولي للكتاب دورها التقليدي، لتتحول إلى منصة حيوية تتصارع فيها الأفكار وتتقاطع السرديات. لقد أثبت المعرض مرة أخرى أنه ليس مجرد سوق للكتب، بل هو نبض فكري وثقافي يعكس بصدق اهتمامات وهموم العالم العربي وتطلعاته نحو المستقبل، مسلحًا بذاكرة الماضي وقوة الكلمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *