صندوق البحر الأحمر وفيلم العلا.. استثمار سعودي في “القوة الناعمة” السينمائية
شراكة استراتيجية لتمويل أفلام عربية وأفريقية طموحة، في خطوة تعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي لصناعة السينما.

في خطوة تعكس تسارع وتيرة الاستثمار السعودي في قطاع الصناعات الإبداعية، أعلن صندوق البحر الأحمر، بالتعاون مع “فيلم العُلا”، عن قائمة المشروعات السينمائية الفائزة بدعمه للعام الثالث. يتجاوز الإعلان مجرد كونه دعمًا ماليًا، ليشير إلى مرحلة جديدة من النضج في استراتيجية المملكة الثقافية، الهادفة إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي مؤثر في صناعة السينما.
شراكة استراتيجية.. أبعد من التمويل
يُمثل التحالف بين صندوق البحر الأحمر، الذراع التمويلي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، و”فيلم العُلا”، المسؤولة عن تحويل المحافظة التاريخية إلى وجهة تصوير عالمية، تكاملًا استراتيجيًا يهدف إلى بناء منظومة سينمائية متكاملة. لم يعد الأمر مقتصرًا على دعم الإنتاج فحسب، بل يمتد ليشمل توفير البنية التحتية والمواقع الجذابة، وهو ما يمنح صنّاع الأفلام من السعودية والمنطقة العربية وإفريقيا حزمة دعم شاملة من مرحلة الفكرة وحتى العرض.
تنوع يعكس طموحًا عالميًا
تكشف قائمة الأفلام المدعومة عن توجه واضح نحو التنوع الجغرافي والموضوعي، حيث ضمت أعمالًا من السعودية والعراق والأردن والمغرب، وبإنتاج مشترك مع دول أوروبية وكندا. هذا التنوع لا يثري المشهد السينمائي المحلي فحسب، بل يعكس طموحًا أكبر يتمثل في أن تصبح المملكة منصة لإنتاج قصص تلامس اهتمامات الجمهور العالمي، وهو ما يصب مباشرة في إطار تعزيز القوة الناعمة السعودية.
ويرى مراقبون أن اختيار أفلام مثل “فريدة: الفتاة التي هزمت داعش” و”كلب جائع”، التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، يشير إلى رغبة في دعم سينما جريئة تتجاوز الموضوعات التقليدية. وفي هذا السياق، يقول الناقد السينمائي طارق الشامي لـ”نيل نيوز”: “هذا الدعم ليس مجرد ضخ أموال، بل هو استثمار في السرديات. عندما تمول السعودية قصصًا من العراق والمغرب، فهي لا تبني صناعتها فقط، بل تساهم في تشكيل الوعي الثقافي للمنطقة بأكملها”.
صناعة السينما في قلب رؤية 2030
تندرج هذه المبادرات ضمن الإطار الأوسع لـ رؤية 2030، التي تضع قطاعي الترفيه والثقافة كركيزتين أساسيتين لتنويع الاقتصاد الوطني. فمن خلال تطوير صناعة سينمائية مستدامة، تسعى المملكة إلى خلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز السياحة الثقافية، خاصة في مناطق واعدة مثل العُلا، التي يتم تجهيزها لتكون استوديو تصوير عالميًا مفتوحًا.
وفي المحصلة، فإن الدورة الثالثة من دعم صندوق البحر الأحمر لا تمثل مجرد استمرارية لجهود سابقة، بل هي تأكيد على أن الاستثمار في السينما أصبح جزءًا لا يتجزأ من مشروع وطني أكبر. إنه تحرك استراتيجي يهدف إلى تحويل المملكة من مستهلك للمحتوى الفني إلى منتج ومصدر رئيسي له، بما يعزز من نفوذها الثقافي والاقتصادي على الساحة الدولية.











