مصافي أوروبا تحتضر.. لماذا يرفض المستثمرون إنقاذ وقود القارة العجوز؟
تراجع مرتقب بنسبة 20% في قدرات التكرير الأوروبية بحلول 2035 رغم طفرة الأرباح المؤقتة

تتجه طاقة التكرير في المصافي الأوروبية إلى تراجع حاد تبلغ نسبته 20% خلال العقد الممتد حتى عام 2035، لتصل إلى ما يزيد قليلاً على 9 ملايين برميل يومياً مقارنة بنحو 14 مليون برميل يومياً في مطلع القرن الحالي، وفق توقعات حديثة أصدرتها مؤسسة S&P Global Energy للأبحاث. هذا الانكماش الهيكلي يأتي مدفوعاً بقرارات الاتحاد الأوروبي الرامية لحظر بيع سيارات الاحتراق الداخلي الجديدة بحلول عام 2035، ما يجعل أي استثمار طويل الأجل في هذه المنشآت غير ذي جدوى اقتصادية للممولين.
وفي الولايات المتحدة، لا يبدو المشهد أكثر تفاؤلاً، حيث تتوقع ذات المؤسسة تراجع طاقة التكرير بنسبة 7% لتصل إلى 16.7 مليون برميل يومياً خلال نفس الفترة. ورغم الوعود السياسية التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب لإنشاء أول مصفاة أمريكية كبرى منذ عقود في ولاية تكساس وإعادة تشغيل مصفاة سانت كروا في جزر فيرجن، إلا أن جدواها الاقتصادية تصطدم برفض الأسواق لتمويل مشروعات الوقود الأحفوري التقليدي طويلة الأجل.
ويمتنع المستثمرون عن ضخ أي رؤوس أموال جديدة لتحديث أو بناء مصافٍ في الدول الغربية، بحسب تقرير نشرته صحيفة Financial Times البريطانية، وذلك رغم عمل هذه المصافي بكامل طاقتها الاستيعابية حالياً لتحقيق أرباح استثنائية مؤقتة ناتجة عن أزمة الطاقة ومحاولات تعويض نقص الإمدادات الروسية.
هذا العزوف التمويلي يترجم عملياً إلى إغلاقات متتالية؛ حيث أغلقت أوروبا العام الماضي منشآت تكريرية تصل طاقتها إلى 500 ألف برميل يومياً، من بينها مصفاتان في بريطانيا. وتعد مصفاة “جرانجماوث” الشهيرة في اسكتلندا، والتي تديرها شركة “بتروإينيوس”، نموذجاً حياً لهذا التحول حيث تقرر تحويلها إلى محطة استيراد وقود فقط بسبب الكلفة الباهظة لأعمال الصيانة والتحديث. وفي هذا السياق، أشار آلان جيلدر، محلل قطاع التكرير في مؤسسة Wood Mackenzie الاستشارية، إلى أن فترات الصيانة الشاملة التي تتطلب مئات الملايين من الدولارات باتت تشكل اللحظة الحاسمة التي يقرر فيها المالكون إغلاق المصافي القديمة بدلاً من المخاطرة بأموال جديدة.
وفي المقابل، يشهد الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا بناء مصافٍ عملاقة وحديثة تتمتع بقدرات تنافسية هائلة وتكاليف تشغيل منخفضة، مما يغير خريطة تكرير النفط العالمية ويزيد من ارتهان الغرب للوقود المستورد. وتتحول هذه الدول تدريجياً إلى تصدير المنتجات النهائية مثل الديزل والبنزين إلى الأسواق الأوروبية التي باتت تفتقر للاكتفاء الذاتي.
ويرى دانيال إيفانز، رئيس قطاع التكرير في مؤسسة “إس أند بي”، أن الصدمات الجيوسياسية الأخيرة أثارت نقاشاً حكومياً حول الأهمية الاستراتيجية لعمليات تكرير النفط، لكنه رجح ألا تنجح هذه المخاوف في تغيير العوامل الأساسية طويلة الأجل التي تضغط على الصناعة في الغرب.
وتلعب السيارات الكهربائية دوراً محورياً في تسريع هذا الانهيار الهيكلي؛ حيث كشفت بيانات الرابطة الأوروبية لمصنعي السيارات عن قفزة في مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 63% في فرنسا و48% في ألمانيا خلال النصف الأول من العام الجاري، مما يعني تراجعاً حتمياً ومستمراً في الطلب المحلي على وقود النقل.
ورغم أن الحكومات الغربية باتت تبدي مرونة أكبر في دعم منشآت التكرير المحلية تحت ضغط أمن إمدادات الوقود، إلا أن الخبراء يصفون هذا الدعم بأنه مجرد “مهلة مؤقتة”. وتوقع يوجين ليندل، رئيس قطاع المنتجات المكررة في شركة الاستشارات “إف جي إي نيكسانت إي سي إيه”، ألا تشهد الساحة إغلاقات إضافية خلال الثمانية عشر شهراً المقبلة بسبب حاجة الحكومات لتأمين الوقود، لكنه أكد أن العوامل الضاغطة ستفرض نفسها في النهاية.
وتبرز الاحتياجات العسكرية كعقبة واقعية أمام التخلي الكامل والسريع عن هذه البنية التحتية؛ إذ يوضح ديف سانيال، الرئيس التنفيذي لشركة “فاروبريم”، أن الطائرات المقاتلة مثل F-35 والدبابات الهجومية مثل Leopard لا يمكن تشغيلها بالهيدروجين أو الطاقة النظيفة، بل تعتمد كلياً على وقود الطائرات والديزل التقليدي، مما يضع صناع القرار أمام معضلة أمنية حقيقية في حال تصفية ما تبقى من قدرات تكريرية وطنية.











