عرب وعالم

مذنب 3I/ATLAS النجمي يكشف عن غبار غامض يتحدى قوانين نظامنا الشمسي

اكتشاف مذهل لتركيبة مذنب 3I/ATLAS النجمي يغير فهمنا للمذنبات الكونية

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

تُظهر لنا الفضاء دائمًا مدى ضآلة معرفتنا بما يقع خارج حدود نظامنا الشمسي. ومع كل زائر جديد يمر عبر مجموعتنا الشمسية، يسارع العلماء لاغتنام فرصة رصده قبل أن يتلاشى في الظلام اللامتناهي. وقد كشف أحدث هؤلاء الزوار، وهو الجسم النجمي 3I/ATLAS (المُصنف رسميًا C/2025 N1)، عن اكتشاف مذهل ومحير في آن واحد. تبين أن هذا المذنب “الغريب” يحمل نوعًا من الغبار الفريد والعنيد الذي يتحدى القواعد المعتادة لأنظمتنا الكوكبية.

على عكس المذنبات المألوفة لدينا، والتي غالبًا ما توصف بأنها “كرات ثلجية قذرة” تبدأ في التفكك والتبخر مع اقترابها من حرارة الشمس، يبدو أن المذنب 3I/ATLAS يتكون من مادة أكثر صلابة بكثير. وقد كشفت ملاحظات استقطابية مستقلة حديثة، قادها سيونغوون تشوي وفريق من علماء الفلك الدوليين من جامعة سيول الوطنية، وتضمنت أول قياسات بالأشعة تحت الحمراء القريبة لمثل هذا الجسم، عن تركيبته الغامضة. ومن خلال قياس كيفية انعكاس الضوء عن المخلفات المتخلفة عن الجسم أثناء تحركه بسرعة مذهلة تبلغ 130 ألف ميل في الساعة، أدرك الفلكيون أنهم أمام كيان مختلف جوهريًا.

Interstellar comet 3I/ATLAS

يوضح هذا الرسم البياني المقدم من وكالة ناسا/مختبر الدفع النفاث مسار المذنب النجمي 3I/ATLAS أثناء مروره عبر النظام الشمسي.

توهج 3I/ATLAS الغامض يكشف عن تركيبة فريدة من نوعها في نظامنا الشمسي

لفهم أهمية هذا الاكتشاف، يجب النظر إلى كيفية تفاعل الضوء مع الغبار الكوني. استخدم العلماء مجموعة من الأدوات الأرضية عالية القدرة، بما في ذلك كاميرا HONIR في تلسكوب كاناتا وجهاز NIC في تلسكوب نايوتا 2.0 متر في اليابان، لتتبع درجة الاستقطاب الخطي عبر طيف واسع.

راقب الفريق الجسم من نطاقات RC المرئية عند 0.64 ميكرومتر وصولاً إلى نطاق Ks القريب من الأشعة تحت الحمراء عند 2.25 ميكرومتر. وقد كشفت النتائج عن “منحنى طور الاستقطاب” (PPC) الذي لم يشبه على الإطلاق المنحنيات التي تنتجها المذنبات النموذجية في نظامنا الشمسي.

أظهرت البيانات سعة استقطاب كبيرة بشكل غير عادي. وبتعبير أبسط، فإن الضوء المنعكس عن 3I/ATLAS يحمل “بصمة” فريدة تشير إلى أن سطحه مغطى بنوع معين من الغبار المقاوم للحرارة.

لا يمثل هذا مجرد انحراف إحصائي بسيط، بل هو مؤشر واضح على أن المكونات الأساسية لهذا الجسم قد تشكلت في بيئة كيميائية مختلفة تمامًا عن القرص الكوكبي الأولي الذي ولد كواكبنا. يشير هذا إلى أن 3I/ATLAS نشأ في ركن من أركان المجرة بتركيبة كيميائية مغايرة تمامًا لتركيبتنا، مما يجعله مثالاً بارزاً على الأجسام النجمية التي تعبر نظامنا الشمسي.

ولعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن هذه البصمة لم تتغير عندما مر الجسم بأقرب نقطة له من الشمس خلال حضيضه في أواخر عام 2025. فعادة، عندما يعبر المذنب “خط الثلج المائي” – وهي النقطة التي تبعد حوالي 2.7 وحدة فلكية عن الشمس حيث تصبح الحرارة كافية لتحويل الجليد مباشرة إلى غاز – فإن النشاط الناتج يغير طريقة انعكاس الضوء عنه. ومع ذلك، ظل منحنى طور الاستقطاب (PPC) للمذنب 3I/ATLAS مستقرًا بشكل ملحوظ. وهذا يخبرنا أن السلوك الغريب لا ينجم عن “فورات” غازية مؤقتة، بل هو خاصية جوهرية للغبار نفسه.

3I/ATLAS

كيف صمد غبار 3I/ATLAS العنيد أمام مواجهة شمسية

تشير مرونة هذه المادة إلى أن 3I/ATLAS هو كوكب مصغر بدائي – أي بقايا متجمدة من الأيام الأولى لنظام نجمي آخر. وقد أظهر “منحنى لون الاستقطاب” (PCC) زيادة مطردة مع الطول الموجي بين 0.6 و 1.2 ميكرومتر، وبلغ ذروته في النهاية في نطاق 1.5 إلى 2.0 ميكرومتر.

يشير هذا النمط المحدد إلى أن المذنب يتكون من تجمعات غبارية مكونة من “مونومرات” بحجم تحت الميكرون. وتتناقض هذه النتائج بشكل حاد مع المذنب 2I/Borisov، الزائر النجمي الثاني الذي اكتشف عام 2019، والذي تصرف بشكل مشابه للمذنبات التقليدية في نظامنا الشمسي.

وبينما تتشابه هذه المكونات الصغيرة في حجمها تقريبًا مع تلك الموجودة في مذنباتنا، فإن طبيعتها “المقاومة للحرارة” – أي قدرتها العالية على مقاومة الحرارة والتآكل – هي ما يميزها. وقد سبق لتلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) أن رصد علامات لهذه المشكلة في بياناته الطيفية السابقة، والتي أظهرت هالة مكونة من أول أكسيد الكربون بدلاً من بخار الماء.

يبدو أن المذنب 3I/ATLAS قد صُمم ليصمد أمام أقسى الظروف في المجرة. ومن خلال دراسة هذه الجسيمات، يمكننا رؤية المكونات الأساسية التي ربما شكلت كواكب غريبة في الماضي.

تظهر البيانات لفريق الفلكيين على الأرض أن 3I/ATLAS هو حقًا رسول من الجانب الآخر من الفضاء. إنه يحمل سمات عالم قد لا نراه أبدًا، مما يمنحنا اتصالًا حقيقيًا بنظام كوكبي يبعد مليارات الأميال. وقد اكتشف مسح ATLAS في تشيلي هذا الجسم لأول مرة في يوليو 2025، وهو لا يزال يبتعد عن شمسنا.

يتركنا هذا الاكتشاف مع إدراك متواضع بأنه بينما قد تكون قوانين الفيزياء عالمية، فإن مكونات العالم يمكن أن تكون متنوعة بشكل رائع وغريب. هذا المذنب “الغريب” لم يمر عبر نظامنا فحسب، بل أعاد كتابة توقعاتنا لما يمكن أن يكون عليه المذنب.

مقالات ذات صلة